يا أبا عبد اللّه، إذا كان الجميع لا يعلم، فأنت تعلم جيداً أنّه مذ كنا أطفالاً وبدأنا نعي، لم نقبل بمحبّة أحد سواك. وإذا أريد لهذا المعنى الذي يسمّى محبّة أن يتحقّق في امرئٍ ما، لن يكون ذلك اكتسابياً ولا اختيارياً، إنما هو من ينظر ويختار. إنه المحبوب وهو مَن يحدّد المحبّ. فلا يمكن الحصول على ذلك بأيّة قدرة أو قوة أو عمل. يهب من يشاء لطفه وعنايته، ولا يكون ذلك بنحوٍ يترك فيه الإنسان الذي اختاره. فلا تغتمّوا ولا تفكروا في وقت من الأوقات بأنه سيسلب منا ما وهبنا إياه.
لا تسلب مني ما أنا فيه
فكرتُ في وقتٍ من الأوقات بأنّه يمكن لقلّة الأدب أحياناً أن تكون موجبة لنقصان هذا المعنى ولاستردادا هذه المحبّة. وكان دليلي على ذلك العبارة المذكورة في زيارة السيّدة المعصومة عليها السلام حيث نقول: {فلا تسلب مني ما أنا فيه}، “فلا تسلب مني محبّتكم”. طلبت من السيّدة المعصومة عليها السلام كثيراً أن توضح لي هذا المطلب. فرأيتُ كم أن المعنى معلوم وواضح وجليّ، حتى أكثر من اللفظ نفسه. ومفاده أن: يا مولاتي، أتيتُ إليكِ بقدمي أنا وبعقلي أنا، وإني أعلم أنّ قدومي باختياري هو غير صائب. ولكن بعدما قدمتُ إلى هنا، أوْليني عنايتك ولا تسلبي هذا مني، أيّ تدخّلي أنتِ في هذه المسألة. فهذه ال”أنا” في عبارة {لا تسلب مني ما “أنا” فيه} ليس لها أيّة مؤثرية. لقد أتيتُ وأنا أعلم بأني لست أهلاً لذلك، ولكن لا تسلبني هذا مني. “فلا تسلب منا ما نحن فيه”، مولانا يا حسين، لقد أتينا بأقدامنا وتشخيصنا الخاصّ، فلا تسلب هذا منّا. إقبَلنا بالوضع الذي نحن عليه.
من كتاب “حسين سيّد الشهداء حقيقة بلا انتهاء” للعالم الربّاني السيّد أحمد النجفي دام ظلّه، ص٤٧٧-٤٧٩