كلمة حول ما صدر مؤخّراً عن بعض المرجعيّات الدّينيّة حول سماحة السّيّد كمال الحيدري
Posted on الأحد ۹ جمادى الآخرة ۱٤۳۹هـ ۲۵-۲-۲۰۱۸م
by شبكة نور الإحقاقي
Leave a Comment
كتبه الشيخ محمد القبيسي
احد طلبة السيد كمال الحيدري
كلمة حول ما صدر مؤخّراً عن بعض المرجعيّات الدّينيّة حول سماحة السّيّد كمال الحيدري.
لا شكّ أنّ دور المرجعيّة الشّيعيّة اليوم كبير وخطير في كلّ شؤون وتفاصيل الحياة، وهو بمثابة صمّام الأمان الذي علينا جميعاً صونه والحفاظ عليه والدّفاع عنه، وتقويمه وإصلاحه إذا ما دعت الحاجة.
وهذا الدّور المتألّق هو الذي دفع عامّة النّاس إلى الالتفاف حول المرجعيّة الرّشيدة، التي أثبتت للعالم أجمع حكمتها وصوابيّة مواقفها، خصوصاً في القضايا المصيريّة للأمّة.. وخير شاهد عليه ما مثّلته قيادة الإمام الخميني قدّس سرّه، ومن بعده الإمام الخامنئي حفظه الله، على مستوى الثّورة المباركة وانتصارها واستمرارها، ونحن نعيش في أجواء ذكرى انبلاج نورها وسطوع شمسها.
إلا أنّه ممّا يؤسف له ما نراه اليوم من بعض ندوب وآثار على تلك الصّفحة النّقيّة، جراء انسياق البعض وتأثّرهم بما يُوحى إليهم، ممّن هم خلفهم وبين أيديهم ومَن حولهم.
إنّ التّعاطف والإنفعال أمرٌ طبيعيّ في حياة الإنسان، بشرط أن يرفق بالتّثبّت والتّحقّق والتّفحّص والتّدقيق.
لقد كان حريّاً بالمراجع الثّلاثة حفظهم الله تعالى -كحدّ أدنى- أن يسألوا ويستفسروا من المعنيّين بشكل مباشر عمّا نُسب إليهم، قبل إبداء أيّ رأي أو إصدار أيّ حكم، فهذا من بديهيّات الفقه وأحكام الدّين.. لكنّ ذلك لم يحدث.
وقد أوضح أئمّة أهل البيت عليهم السّلام الخطوط العامّة والمواصفات اللازم توفرّها في مَن نقبل حديثه وإخباره: صدق الحديث وأداء الأمانة.. ومَن اعتمدتُم عليه في حكمهم هذا لم تتوفرّ فيه كلا الخصلتين معاً.
لقد حضرنا درس سماحة السّيّد الحيدري حفظه الله منذ سنوات طوال وما زلنا، ولمسنا بالوجدان بطلان ما ادعاه بعضُ مَن حضر مجلس البحث ممّن وثقتم به، وخصوصاً في ما نسبه إلينا في بعض تسجيلاته، فكيف نأمنه في غير ذلك؟ وأيّ أمانة هي هذه؟ وكيف اعتمدتم على نقله؟
وأما بخصوص النّقاط الواردة في البيانات، فنسجّل بعض الملاحظات على أهمّ ما ورد فيها:
فيما يتعلّق بجواز التّعبّد بسائر المذاهب والأديان، فقد أجمع فقهاؤنا كافّة على حجيّة القطع وعدم إمكان الرّدع عنه، ومعذوريّة كلّ مَن لم يكن مقصّراً في البحث عن الحقيقة، مهما اختلف دينه ومذهبه الذي ينتمي إليه، وقد أوضح السّيّد الأستاذ هذه المسألة في أكثر من محاضرة، وبيّن أنّ مراده منها هو هذا.
وأما دعوى القول بعدم عصمة الإمام الجواد عليه السّلام، فكانت في سياق نقاش الطرف الآخر وبيان إشكالاته علينا، وإلا فإنّ السّيّد الأستاذ يعتقد بأنّ النّبيّ والأئمّة عليهم السّلام هم وسائط الفيض ما بين الحقّ والخلق، هذا الإعتقاد الذي فوق ما يعتقده بعض مراجع العصر.
وأمّا فيما يتعلّق بموروثنا الرّوائيّ، فما يعتقده السّيّد الأستاذ حفظه الله هو أنّ الكثير منه مدسوس وموضوع، وهو كلام حقّ في نفسه، وإليه ذهب جملة من الأعلام كالسّيّد الشّهيد قدّس سرّه، حيث ذكر في مقدّمة كتابه (الفتاوى الواضحة) ما يلي: ودخول شيء كثير من الدّسّ والإفتراء في مجاميع الرّوايات ..الخ. وهذا المعنى لا يمكن إنكاره.
وأمّا مسألة الضّرورات والمسلّمات، فإنّ مصطلح (الضّرورة) (والمسلّم) لم يرد في آية ولا رواية، فمن أين جاءنا حتى صار حاكماً علينا ونحن نفخر بأنّنا لا نقبل إلا ما ورد في الكتاب والسّنّة؟.. فالصّحيح أنّ المدار على الدّليل والحجّة، ولا مانع من النّقاش في أيّ شيء حتّى في وجوده تعالى.. وهذه هي سيرة نبيّنا الأكرم وأئمّتنا عليهم السّلام.
وأما بالنّسبة إلى محاسبة المعصوم، فأصل هذا الكلام ما جاء في خطبة لأمير المؤمنين عليّ عليه السّلام قال: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً بِوِلَايَةِ أَمْرِكُمْ، وَلَكُمْ عَلَيَّ مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِي لِي عَلَيْكُمْ، فَالْحَقُّ أَوْسَعُ الْأَشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ وَأَضْيَقُهَا فِي التَّنَاصُفِ، لَا يَجْرِي لِأَحَدٍ إِلَّا جَرَى عَلَيْهِ وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ إِلَّا جَرَى لَهُ..
فهو عليه السّلام يتحدّث عن نفسه كحاكم، يريد أن يرسي القواعد الأساسيّة التي يجب أن يكون عليها الحاكم -وإن كان معصوماً- ليعلّم الأمّة أنّ لها حقّاً على الحاكم في محاسبته ومساءلته، ويهدم أيّ حاجز يمكن أن يتشكّل بين الحاكم وبين الرّعيّة، فلا تتوهّم الرّعيّة أنّ عليها الطّاعة بشكل أعمى، لا تفهم ماذا يجري، وما الذي يريد الحاكم أن يفعل بهم، وإلى أين هم سائرون.. ولم يستثنِ عليه السّلام أحداً وبدأ بنفسه، لذلك قال في موضع آخر من الخطبة: «فإنّي لستُ في نفسي بفوق أن أخطيء».
فهو عليه السّلام يريد أن تنشأ الأمّة على هذه المعاني، فلا تتوهّم الرّعيّة أنّها ما دامت أمام حاكم معصوم كأمير المؤمنين عليه السّلام، فهذا يلغي حقّها بالكلام أو المشورة أوالسّؤال المحاسبة.. فانظر إليه من معنى دقيق وسام.
نعم المشكلة في اقتطاع الكلام من سياقه العامّ واجتزائه، وتعريته من قرائنه الحافّة به، فتكون النّتيجة ما نحن فيه.
وانطلاقاً من النّقطة الأخيرة، لنا أن نسأل ونطالب ونحاسب حكاّمنا ومراجعنا في عصرنا هذا، مع كامل احترامنا وتقديرنا ومحبّتنا لهم، ونسأل المراجع الثّلاثة حفظهم الله تعالى:
هل يجوز إصدار حكم على أحد -أيّ أحد- دون سؤاله والإستفسار منه؟
هل يجوز الإعتماد في إطلاق الأحكام على قولِ مَن لم يصدق في الحديث ولم يحفظ الأمانة؟
أليس من الأحجى تعليق الحكم على (فرض ثبوت صحّة النّسبة)، بدل الإيحاء بصحّتها؟
أليس الموقف الصّحيح هو العمل على لمّ الشّمل واحتضان الجميع، ومقارعة الحجّة بالحجّة، والدّليل بالدّليل، والبرهان بالبرهان، بدل الإكتفاء ببعض الفتاوى التي لن تؤدي إلا إلى مزيدٍ من توتير الشّارع الشّيعي ومزيد من الإحتقان والتّشرذم، في وقت نحن بأشدّ الحاجة فيه إلى مزيد من التّعاون والتّفاهم وسعة الصّدر..
نسأل الله تعالى أن يحفظ جميع علمائنا الأعلام ومراجعنا العظام، وأن يوحّد كلمتنا على الخير والتّقوى، وأن يرزقنا السّداد في الفعل والقول والإعتقاد، إنّه قريبٌ مجيب.
الشيخ محمد القبيسي
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك: