(كتاب سليم بن قيس وأثره في التشيع)/1
~~~~~~
حينما نطرح كتاب سليم بن قيس للبحث
فإننا إنما نتكلم عن أول كتاب أولف في الإسلام وقد وصل إلينا بالفعل لحد هذا اليوم ،
وهو أول كتاب شيعي لم يتلف كبقية كتبنا التي ذهبت ،
نعم قبل كتاب ابن أبي رافع ولكنه لم يصل إلينا وإنما نقلت منه بعض النصوص ، ومضامين كتاب سليم من أهم المضامين التي تكشف عن العقيدة الشيعية وملابسات تاريخية وعقائدية خطيرة جدا .
بل فيه فضيحة مدوية على مخالفي أهل البيت عليهم السلام،
سببت في تحاملهم على الكتاب بشكل غير منطقي وغير علمي كالعادة ، وإنما هو التشنيع والسباب والشتائم على عادة أعداء أمير المؤمنين عليه السلام ، لان في هذا الكتاب يكشف العلاقة بين الإسلام وبين مخالفي اهل البيت عليهم السلام بحيث يكاد يجزم من يقرأ هذا الكتاب بان مخالفي علي بن ابي طالب عليه السلام
لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر لانهم لا يضعون امام اعينهم جنة ولا نار .
نبدأ بقصة الكاتب سليم وبعد ذلك نتطرق للمشاكل وللمضامين :
سليم بن قيس العامري من الحجاز ، أصله من بني هلال بن عامر بطن من عامر بن صعصعة، من هوازن من قيس بن عيلان، من العدنانية الذين كانوا يقطنون الحجاز، وما زال قسم من عشيرتهم إلى عصرنا في المنطقة.
وهو مؤمن ثبت ولد قبل الهجرة بسنتين
وتوفي سنة 76 هجرية ، لم يقابل رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقد دخل المدينة في سنة 14 وبقي في المدينة سنتين .
كما يقول المؤرخون واجتمع باولياء الله ، واخذ عنهم العلم ، وقد دون ما قالوه له ، وقد كان في الفترة من سنة 14 إلى سنة 16 هجرية
يلتقي كثيرا بأمير المؤمنين عليه السلام وسلمان وأبي ذر والمقداد. وقد دون عنهم العلم واستمر يكتب منذ سنة 14هجربة الى سنة 40 هجرية ،
وبعد سنة 16 هجرية رحل عن المدينة ولكنه رجع اليها سنة 27 هجرية
وبقي فيها حتى وفاة عثمان وقد سافر الى الربذة في سنة وفاة ابي ذر سنة 34 هجرية
والتقى به من جديد ثم رجع الى المدينة وبعد وفاة عثمان سنة 35 هجرية لازم امير المؤمنين عليه السلام وسافر معه وبقي يكتب المهم من حديثه .
واكثر ما دونه هو كلام الامام علي عليه السلام وكلام سلمان ويأتي بعدهما ابي ذر والمقداد .
شهد سليم مع أمير المؤمنين عليه السلام وقعة الجمل في سنة 35 هجرية، وكتب كثيرا من جزئيات ما وقع في تلك الوقعة وبعدها. وشهد وقعة صفين في سنة 36 هجرية من أولها إلى آخرها،
وكان من شرطة الخميس المتقدمين في الحرب. وكان حاضرا ليلة الهرير ليلة العاشر من صفر سنة 38 هجرية، وهي آخر وقعات صفين.
وقد رجع سليم مع علي عليه السلام إلى الكوفة، بعد ما حضر في قصة الحكمين.
كان سليم في الكوفة بعد وقعة صفين وقبل النهروان. كان سليم في الكوفة بعد وقعة النهروان إلى شهادة أمير المؤمنين عليه السلام في شهر رمضان سنة 40 هجربة.
وكان سليم في الكوفة بعد شهادة أمير المؤمنين عليه السلام.
وبعد انتقال الإمامين الحسنين عليهما السلام إلى المدينة
سافر سليم إليها والتقى بهما،
وكان سليم في الكوفة في بعض الفترات بين سنة 49 هجرية وسنة 53 هجرية، عندما كان زياد بن أبيه واليا عليها،
حج سليم قبل موت معاوية بسنة أو سنتين،
وحضر في منى في مجلس الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام. ولم يذكر التاريخ حاله من سنة 60 هجرية إلى 75 هجرية،
إلا ما ذكره عن التقائه بالإمام السجاد والإمام الباقر عليهما السلام،
وكذلك ابن عباس في تلك الفترة. وكان سليم في الكوفة ظاهرا في سنة 75 هجرية عندما قدم الحجاج واليا عليها، فطلبه ليقتله، فهرب منه إلى البصرة ثم إلى فارس، ووصل إلى مدينة (نوبندجان)
واوى في تلك البلدة إلى أبان بن أبي عياش.
ولم يلبث كثيرا في نوبندجان حتى مرض،
ثم توفي إلى رحمة الله تعالى.
يدل على ذلك ما في مفتتح الكتاب،
وما قال ابن النديم والعقيقي:
(كان (سليم) هاربا من الحجاج،
لأنه طلبه ليقتله
فلجأ إلى أبان بن أبي عياش فآواه).
ويبدو انه استطاع اخفاء كتابه عن اعين اعداء الكتب وحارقيها ،
كما فعل ابن ابي رافع في الحفاظ على كتابه في تلك الفترة . وبقي الكتاب مع سليم ، ثم انتقل ونسخ في الفترة التي تلت موت ابان بن ابي عياش راوي الكتاب عنه وبعدها سلّم الكتاب الى عمر بن اذينة ، وعمر هذا نشره بشكل واسع كما يبدو ،
وقد رواه عنه الثقات واصحاب الإجماع .
فاستمر هذا الكتاب مصدر عناية علماء الشيعة الامامية واعلام التشيع التابعين لأئمة الهدى ،
حتى بلغنا القرن الخامس الهجري في بداياته وجدنا من علمائنا من يطعن فيه ويتهمه بانه غير صحيح
بل اتهم راويه ابان ابن أبي عياش بالوضع.
فالكتاب مهم جدا في نصوصه
ومن المهم جدا إثبات أصله ،
ففيه نصوص غاية في الأهمية والخطورة
منها النص على الأئمة الاثنا عشر من الإمام علي إلى الإمام المهدي عليهم السلام بالاسماء والصفات .
اذن هو كتاب نال حَمَلَته المآسي والمغامرات الكبيرة .
وهو نال من التشكيك والحملات المعادية ،
ولكن في الحقيقة كلها باءت بالفشل ،
لان محتوى الكتاب يفرض نفسه بالإضافة إلى اعتناء قدماء أصحابنا به ،
حتى اعتبر صاحبه من أعيان الشيعة ومن أول المؤلفين في الإسلام
وكتابه اخطر كتاب في مواجهة إعلام المستكبرين والمتجبرين .
هناك نصوص وردت في مدح هذا الكتاب وبعضها منسوب للائمة الطاهرين عليهم السلام بروايات اغلبها مرسلة ولكنها موافقة مضمونا للواقع او لعمل اصحابنا في زمن النص المقدس . مثل :
الشيخ عبد النبي الكاظمي في تكملة الرجال :
نقلا عن خط المجلسي رحمه الله ، قال :
أقول :
وجدت نسخة قديمة من كتاب سليم
بروايتين بينهما اختلاف يسير ،
وكتب في آخر إحداهما : تم كتاب سليم بن قيس الهلالي – إلى أن قال – روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، أنه قال :
“[[ من لم يكن عنده من شيعتنا ومحبينا كتاب سليم بن قيس الهلالي ، فليس عنده من أمرنا شئ ، ولا يعلم من أسبابنا شيئا ، وهو أبجد الشيعة ، وسر
من اسرار آل محمد ( عليهم السلام ) ]] ” .
ونقل العلامة المامقاني عن خط المجلسي :
روي عن الإمام الصادق صلوات الله عليه أنه قال : من لم يكن عنده من شيعتنا ومحبينا .
ونكتفي بما قاله السيد الخوئي رحمه الله في كتاب سليم
حيث قال :
(( إن كتاب سليم بن قيس من الأصول المعتبرة بل من أكبرها، وأن جميع ما فيه صحيح قد صدر من المعصوم عليه السلام أو ممن لابد من تصديقه وقبول روايته،… إلى أن يقول: ولكن قد يناقش في صحة هذا الكتاب بوجوه )) (معجم رجال الحديث ج9ص230) ثم ذكر المناقشات وردها .
أهمية الكتاب:
الميزة الأولى:
أن موضوعه عقائد الإسلام وتاريخه:
فقد اختار المؤلف مسائل في الدرجة الأولى من الأهمية مثلت الحقيقة المقابلة لما فعلته وقالته ودونته دولة الخلافة القرشية. لقد كشف سليم في كتابه عن الوقائع التي حدثت في مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعد وفاته، وكيف وصل زعماء قريش إلى السلطة.
الميزة الثانية:
الفترة التي أرخ سليم أحداثها: وهي أكثر الفترات حساسية وتأثيرا على عقائد المسلمين على الإطلاق. ذلك أن جميع عقائد المسلمين ومذاهبهم قد تكونت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بسبب ما حدث عند وفاته وبعد وفاته من اختلاف! فجميع ما طرح من عقائد وأحكام خلال أربعة عشر قرناً إلى يومنا هذا، يرجع إلى تلك الفترة الحساسة! وقد أرخ سليم بن قيس لتلك الفترة، فكان عمله فريداً من نوعه، وبهذا احتل مكانة الدرجة الأولى بعد أحاديث الأئمة المعصومين عليهم السلام، الذين قاموا بكشف حقائق تلك الفترة.
الميزة الثالثة:
صراحته رغم ظروف تأليفه الخانقة: فقد كتبه سليم في عصر المنع المطلق من تدوين أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى ما يتعلق منها بالسنن والأحكام الشرعية! وفي تلك الظروف الخانقة، قام سليم بن قيس بتسجيل هذه الحقائق التاريخية والعقائدية وتدوينها في كتاب، وكان يجمع أحاديثه من الأئمة الأطهار عليهم السلام والصحابة الأبرار ويكتبها في كتابه على خوف ووجل. ومن جهة أخرى فقد دون سليم مخالفات حكام عصره الذين كان يعيش معهم، واستطاع أن يخفي ذلك عن عيونهم. وقد كان لحرصه على كتابه، يحمله معه في أسفاره وتنقلاته العديدة.
الميزة الرابعة:
الدقة والإتقان: إن كتاب سليم بعد التدقيق والمقايسة مع المصادر الأخرى،
يعتبر من مصادر الدرجة الأولى في دقته، وهذه ميزة تزيد من قيمة كتابه المبارك. لهذا كله، لا بد أن ننظر إلى كتاب سليم باعتباره أول نص متقن في أهم الموضوعات الإسلامية، تم تدوينه في فترة حساسة وظروف صعبة.
~~~~~~
المصدر:
بحار الانوار العلامة المجلسي