بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين،
وبعد، فهذا بيان رشيق قد ذكرته بطور أنيق، وكشفت فيه عما كنت أجملته في بعض الاجوبة، ولم اكن اريد الخوض فيه بالتفصيل لافتقاره الى مقدمات طويلة ولصعوبة مأخذه ودقة مبناه، غير أن بعض المتطفلين على حكمة الشيخ اعلى الله مقامه، قد وجهوا إليّ انتقادات واشكلوا بإشكالات وزعموا اني قد خالفت الشيخ الاوحد في جملة من المسائل، ومن بينها هذه المسألة المتعلقة بمعراج نبينا محمد صلى الله عليه وآله حتى بلغ مقام قاب قوسين أو أدنى دنواً واقتراباً من العلي الأعلى، وقد كان رأي الشيخ الاوحد في هذه المسألة الدقيقة والشائكة (مسألة المعراج) بالاضافة الى رأيه في مسألة المعاد الجسماني من اسباب رميه بتهمة الكفر من قبل بعض غلاظ العقول والافهام وإن تسمى عندهم بالأعلام… واشرع متوكلاً على الله تعالى في بيانها، مشترطاً على القاريء ان يكون ملماً ببعض الاصطلاحات كالقيام الصدوري والقيام الركني، والعالم المجرد والعلم الجسماني، والاثر والمؤثر، والفعل والمفعول، والعلة والمعلول، والمسافة وقطعها، والجهات وانواعها ونحو ذلك من الاصطلاحات الحكمية التي بيّنها الشيخ الاوحد اعلى الله مقامه غي كتبه ورسائله:
لما كان معنى العروج لغة هو الارتقاء والصعود في السماء، وهي كائنة في جهة العلو من المكان ذي الابعاد الثلاثة: الطول والعرض والارتفاع (العمق)، فإن معراج نبينا صلى الله عليه وآله كان معراجاً جسمانياً لا غير، اي أن عروج النبي صلى الله عليه وآله كان عروجاً في المكان في جهة العلو، وذلك بلحاظ ما كان عليه قبل العروج من الاستقرار في جهة السفل (اي على الارض)، وحينىذ فلا معنى للعروج الروحاني الا بحسب المعنى المجازي غير المتبادر، ولا توجد قرينة بالمصير إليه الا على رواية (وعرجت بروحه الى سمائك) الواردة في بعض نسخ دعاء الندبة كما في الإقبال والبحار، واما في بعض نسخ الدعاء فقد اسند العروج الى الشخص البشري للنبي صلى الله عليه وآله، فقد وردت العبارة هكذا: (وعرجت به الى سمائك)، فالاصل من العروج إذاً هو الحركة الجسمانية ارتقاءً وصعوداً نحو جهة العلو التي تسمى ايضاً (الفوق) وهي احدى الجهات الست المعروفة: (الفوق، التحت، اليمين، اليسار، الامام، الخلف)، والمعراج لغةً هو السُلّم، وهو آلة تستعمل للصعود الى أعلى، فالمعنى الحقيقي المراد من المعراج بحسب ما تقدم من البيان هو قطع الجسم المتحرك للمسافة صعوداً، وكل ما يتحرك في جهة من الجهات فلا يمكن ان يكون مفارقاً للمادة والجسم، اذ لا معنى للجهة في غير عالم الاجسام، مثلما اثبتنا ذلك في اجوبتنا للمسائل.
الخلاصة مما تقدم: إنّ كل متحرك لابد ان يكون في حال حركته قاطعاً للمسافة في جهة من الجهات الست المذكورة، وان العروج يجب ان يكون جسمانياً وليس روحانياً، هذه حقيقة لا يمكن انكارها.
وهكذا فقد كان معراجه صلوات الله عليه وآله في ليلة الاسراء والمعراج هو ارتقاء جسمه الشريف نحو السماوات السبع ثم الكرسي ثم العرش وذلك في عالم الملك المسمى ايضاً بعالم الاجسام.
الى هذا الحد من البيان يتضح ان الجسم مطلقاً لا يناسبه العروج في غير عالمه، بل لا معنى لعروج الجسم في عالم لا جهة فيه كالعوالم المجردة (عالم الارواح، وعالم النفوس، وعالم العقول، وعالم المشيئة)… ولكن لجسم النبي صلى الله عليه واله خصوصية ومزيّة على غيره من الاجسام، لانه علة لعالم الاجسام (عالم الملك)، فالاجسام جميعاً قائمة بجسمه الشريف قيام صدور… ورتبة العلة اشرف من رتبة المعلول بسبعين درجة كما ثبت في محله من الحكمة، وهذه الخصوصية التي يتمتع بها الجسم الشريف للنبي صلى الله عليه وآله يترتب عليها عدة نتائج، وابرزها عدم خضوع جسمه الشريف لناموس الحدود والجهات الجسمانية والمكانية إذ هو الذي اجراها ولا يجري عليه ما هو أجراه، اذ لو كان خاضعاً لذلك الناموس لم يجز ان يكون علة لعالم الاجسام بل معلولاً، ولو كان كذلك لكان اقصى ما يصل اليه في المعراج هو العرش الجسماني الذي هو محدب محدد الجهات، مع انه صلوات الله تعالى عليه قد تجاوز هذا المقام ووصل الى مقامين آخرين هما: مقام قاب قوسين، ومقام (أو أدنى).
وهنا اود ان أبين نقطة في غاية الاهمية قبل الاسترسال، وهي ان العوالم كلها ماديها ومجردها قائمة بشعاع جسمه الشريف قيام ركن، وحتى لا يختلط الامر ينبغي ان انبه على الفرق بين القيام الصدوري والقيام الركني، فقد سبق ان ذكرت في اجوبة متعددة ان عالم الاجسام قائم بجسمه الشريف قيام صدور، وهنا قلت: (ان العوالم كلها قائمة بشعاع جسمه قيام ركن)، فما هو الفرق إذاً بين القيامين؟ولذلك من المناسب ان أبيّن ما هو المراد بالصدور وما هو القيام الصدوري، ثم اعقبه بذكر المراد بالركن والقيام الركني، أقول: ان الصدور هو فعل المُصدِر في إيجاد الصادر، ويترتب عليه حصول الاثر عن تأثير المؤثر، كحصول الانكسار بتأثير الكسر، فالانكسار مثلاً معلول للتأثير الذي هو الكسر وليس معلولاً لذات المؤثر (ذات الكاسر). واما القيام الركني فهو عبارة عن قيام المعلول بفيض علته او شعاعها قيام تحقق، اي انه لا يتحقق في الخارج ولا يتعين الا بذلك الفيض والشعاع، فيدخل فيض العلة في قوام المعلول وكينونته، وهو المعبر عنه في كلام اهل البيت بـ(العَضُد) كما في دعاء كل يوم من شهر رجب: (… أعضادٌ وأشهاد، ومناة وأذواد، وحفظة ورواد…) وهو الذي أشار اليه سبحانه بقوله: (ما اشهدتُهم خلق السموات والارض ولا خلق انفسهم وما كنت متخذ المضلّين عضدا) فيُفهم منه انه قد اتخذ الهادين عضُدا. ومثاله قيام المادة بالمفعول قيام ركن، فإن المادة ركن وعضد لشيئية المفعول وتحققه وتعيّنه بالاضافة الى الصورة، إذ أن المفعول ممكن الوجود، وكل ممكن هو زوج تركيبي مؤلف من ركنين: مادة وصورة او وجود وماهية، ولما كانت جميع العوالم وما فيها هي مفاعيل ممكنة، وأنّ وصف الممكن لازم لها ألبتة، فلابد ان يكون لها مادة وصورة، لكن مع ملاحظة ان المادة في العوالم المجردة لا يراد منها المادة المتعارفة في عالم الاجسام، وهذا منشأ لحصول الغلط والاشتباه عند من يقرأ هذا الموضوع في كتب الشيخ الاوحد اعلى الله مقامه. فإنه رضوان الله تعالى عليه يريد من المادة الأعم من العنصرية وغيرها، ففي العوالم المجردة يكون شعاع الحقيقة المحمدية معرى عن العناصر، فهذا الشعاع بالقياس الى تلك العوالم هو بمثابة المادة بالقياس إلى العالم الجسماني. وهكذا فإن الاشياء كلها في كافة العوالم الامكانية قائمة بشعاع جسمه الشريف قيام ركن على تفاوت في معنى مادة الشعاع ومقاماته بحسب كل عالمٍ عالم.
وها قد سلطنا بعض الضوء على فهم هذه المسألة المعقدة التي عجز الكثيرون عن بيانها، وإنك لن تجد بياناً كهذا البيان في غير هذا الموضع ابداً مهما فتشت، والخلاصة: انما ساغ للجسم الشريف أنْ يتجاوز عالم الاجسام الى ما وراءه هو ركنية شعاعه في كينونتها وتحققها، فالمجرد من الاشياء والعوالم مخلوق من مجرد شعاع جسمه صلى الله عليه وآله، واللطيف مخلوق من لطيفه، والمادي مخلوق من ماديّه، فافهم.
ولذلك حين وجه الملا كاظم السمناني رحمه الله إلى لشيخ الاوحد أعلى الله مقامه سؤال عن كيفية المعراج، ظاناً ان العروج الحقيقي يحصل في كل جوهر على حدة: جسمه، ومثاله، ونفسه، وروحه، وعقله وحقيقته، لم ينكر عليه الشيخ الاوحد ذلك، ولكن بيّن له ان العروج في الحقيقة جسماني لا روحاني وانه عروج واحد لا متعدد، وان كل شيء خلقه الله تعالى قائم بشعاع جسمه الشريف قيام ركن، فالعروج في المجردات على فرض حصوله ليس عروجاً حقيقياً بل هو عروج مجازي، والمعراج النبوي الذي تواترت حوله الاخبار هو خصوص العروج الجسماني، فهو المتبادر والمنسبق الى الأذهان من اطلاق لفظ (المعراج) أو العروج كما اوضحنا. وليس هناك عروجاً حقيقياً فيما هو خارج عن عالم الاجسام الا جسمه الشريف الذي هو اعلى رتبة من جميع العوالم الامكانية، اذ هي مخلوقة من شعاع نور جسمه الشريف.
والحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على اشرف خلق الله اجمعين محمد واهل بيته الطيبين الطاهرين