عبقرية خادم الشريعة في تفسير القرآن الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم
( المر , تلك آيات الكتاب والذي أنزل من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون )
بعد أن تلا هذه الآية المباركة , أثار هذا السؤال , وطرحه بالشكل الآتي: الآن , ما دام القرآن الكريم حقاً , إذن لماذا لا يؤمن به أكثر الناس , في الوقت الذي ينبغي فيه أن يكون الناس يحبون الحق على الأغلب؟!
ثم وجه خطابه على الفضلاء الحاضرين في الصف وقال: من يتمكن أن يجيب على هذا السؤال؟
ساد الصف صمت عميق , وكامل , ولم يجرؤ أحد على الإجابة , لأنه ذيل سؤاله بهذه العبارة: ومن يتمكن أن يجيب على السؤال بشكل صحيح , فإني سأعطيه هذا اليوم العلامة النهائية , ولكن لو أجاب أي طالب على السؤال دون إلمام كاف بالموضوع , أو أجاب بشكل خاطئ على السؤال , فسأعطيه علامة ( صفر ) من الآن وستبقى هذه العلامة معه حتى آخر السنة الدراسية !!
بعد أن رأيت الصمت المطبق على وجه الطلاب قمت من مكاني , واستأذنت الأستاذ للتحدث , وتفسير هذه الآية المباركة لتكون إجابتي.
نظر إلى وجهي , وحدق فيه , وقال: قل ما تعرفه في هذا المجال.
قلت: إن عدم إيمانهم يعود فقط إلى تكبرهم بسبب جهلهم.
قال: هل لديك دليل من القرآن الكريم يثبت هذا الإدعاء؟
تلوت دون تردد هذه الآية المباركة:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين )
الشاهد هنا هو: إن إبليس رغم أنه كان يعرف أن الأمر صادر من قبل الله , وأن كل ما يصدر من الله فهو حق , إلا أنه بسبب تكبره أبى من إطاعة أمر الحق , ولم ينفذ أمر الله , جل وعلا.
وهكذا هم أبالسة الإنس أمثال أبي جهل , وأبي لهب , والوليد بن المغيرة , وغيرهم لا سيما في عصرنا , وبسبب خواء عقولهم وأدمغتهم , وسواد قلوبهم وحلاكتها وامتلائها بالتكبر فإنهم يمتنعون عن الخشوع أمام القرآن الكريم , والإنقياد لآياته المباركة , ويتنصلون من قبول أي حق.
ثم قلت: أيها الأستاذ ! أكتفي بهذا القدر , لأني لا أريد أن أشغل وقتكم , أو أتطاول على وقت الصف , ولو رغبتم بالتفصيل , فاسمحوا لي بذلك لأوضح أكثر.
علت على شفة الأستاذ الجليل ابتسامة رضى , ثم قال: يكفي ذلك .. أحسنت!
وللحديث تفصيل , أكتفي بهذه الإشارة
بعد ذلك قال: ما اسمك؟
قلت: احقاقي
قال: وأي احقاقي؟
قلت: عبدالرسول
فكر قليلا ثم قال: لقد منحتك أفضل علامة لآخر السنة , ولا حاجة لك أن تضر الدرس.
وعندما شاهدني الأستاذ حاضراً في الدروس التالية , قال لي يا سيد إحقاقي , أنا أعرف ما تتحمله من مشقه لتحضر هذا الدرس , وتأتي من ( تبريز ) إلى ( طهران ) .. لا داعي لتحمل كل هذه المشقة والتعب من أجل الدرس , فأنا أعطيتك علامتك النهائية!
قلت له: أيها الأستاذ ! لم أحضر إلى هنا من أجل الحصول على العلامة , أو الشهادة الدراسية .. بل إن هدفي من تحمل كل هذه المشقة , والتعب , وحضور الدروس , هو الإستفاضة من مجالس الأساتذة الكبار أمثالكم , لأن الإستفادة من مجلسكم خارج الجامعة أمر صعب للغاية .. أنا أحضر إلى الجامعة حتى أجالس العلماء والمفكرين , واستفيد من بحر علومهم.
إبتسم الإستاذ ثانية و قال: أحسنت , ولكن الطلبة من أمثالك نادرون.
بعد إتمام دراستي في كلية المعقول والمنقول ( كلية الإلاهيات حاليا ) عدت مرة أخرى إلى ( تبريز ) وواصلت مهامي الكثيرة , لا سيما في مجال خدمة الدين المبين , ونشر أحكام وآثار وفضائل أهل البيت الطاهرين ( ع ).
الكاتب: خادم الشريعة الميرزا عبدالرسول الحائري الإحقاقي قدس سره الشريف
المصدر: كتاب قرنان من الإجتهاد والمرجعية