الغربة الطويلة ، لازالت ملامح قريتنا النائية المسحوقة تصفع ذاكرتي ، وتلهب مشاعري وتؤجج اشتياقي ..كل شيء فيها بسيط ( ناسها ، مبانيها ، مواصلاتهم , ازياءهم ) وموغل في البدائية , حتى ان الداخل اليها لاول مرة يتصور ذاته في قصبة من قصبات اور او بابل .. .. أما سوقها الوحيد فمبني من اللبن والطين ومسقفا باعمدة خشبية و “باريات” من القصب .. هي ذات الاسواق التي كانت في العصور السحيقة ، لم تلامسها انفاس الحضارة .. في هذا السوق يعرض كل بضاعته التي تعتبر منقرضة في منظور كل الشعوب بما فيها الافريقية .. اهم الصناعات التي ابدعت بها انامل شعبي , هناك , هي ذاتها التي ابتكرها اجدادنا السومريون من جرار خزفية ومكانس و”مسخنات” ومساحي وفؤس و”مكاويير” ..الخ ولكن جل منتوجاتهم حيوانية ونباتية .. وما يلفت النظر , هو حال البقالين وهم يعرضون الفاكهه والخضروات بطريقة غير مرتبة على جانبي السوق .. وكانت” الحمر “المسومة تختال ذهابا وايابا كوسائل “ترانسبورتية” للبضائع وللذين وهن العظم منهم (واذا صادف وان اصطدمت بحمار فعليك انت اولا تقديم الاسف والاعتذار والا فيعتبر اعتداء عن تصميم وترصد, خصوصا وانت في كامل قواك العقلية في حين الحمار بذكائه المعروف و اثناء فترة الدوام الرسمي له ) ..
عادة ما ينقسم البقالون في السوق الى فريقين متننافسين ، لان تبضعهم من مزرعتين لايوجد سواهما في قريتنا ، فالذين يتسوقون من مزرعة ” سيد نعمة ” يحاولون النيل من منتوجات مزرعة” مله عبود ” وما ان يشتد الزحام في السوق بحدود الساعة العاشرة صباحا ، حتى يبدأ ” التحرش” الاعلامي ، كل للنيل من الاخـر ، ويحتدم السجال حينما يبالغ احد الاطرف بمدح سلعته ، فمثلا يقول احد البقالين : تعالوا ، اقبلوا ، ” تازة تازة , يلبط يلبط” تحيي الموتى , مباركة .. انها مغروسة بيد “السيد” نفسه …هنالك يؤيده البقالون الذين تبضعوا من نفس المزرعة باسلوب الهمز واللمز مثيرين حمية الطرف الاخر الذين تتدفق في عروقهم نوازع الثأر الكلامي ، فيردوا بطريقة اكثر استفزازية : جرب جرب ” ابو كروه يبين بالعبر ” تعالوا الى الصحة والعافية ولا تذهبوا الى ” ام الدود االمغروسة بـ ” ** السيد “… وهكذا يستمر التراشق العقيم بين الفريقين حتى الظهيرة وغالبا ما يصل الامر الى مشاحنات ومعارك بـما تيسر من “الموجودات” تذهب ضحيتها اطنان من الطماطم والخيار والركي و”درازن” من اجود “العقل” العربية ذات النسيج اليدوي المتميز .. اما سيد نعمة وملة عبود(الاقطاعيان) فيجلسان على اريكة في مقهى ” شمخي” المقابل لمدخل السوق , رفيقين حميمين يكهكهان على المعركة التي ينقلها لهم “هديهد الاعور” من على ظهر حماره الادعم “بطريقة المعلقيين الرياضيين اليوم” ولكن غالبا ما تفوته “لقطات” مهمة بسبب حالة عينة الكريمة , يذكرها اخرون له بعد انفضاض الجموع المتحاربة , حيث كهكهات الرفاق تبقى مستمرة ….وهكذا تصبح معارك السوق ومغامرات علوة الحياوي(سائق دك النجف الذي تحدثت عنه في القسم الثاني ) مادة سمر الاقطاعيين والسادة ووجهاء المدينة ..انهم “حقيقة” يعيشون بفضل الانظمة الفاشستية المتعاقبة مرحلة كان يجب ان تكون منقرضة منذ عشرات القرون… وكمـا للبقالين والسياسيين وادعياء المعارضة مواسمهم ، ايضـــا هناك مواسم للفقهاء التجار الذين ارتدوا ” لحية الزهد” كشرك للوصول الى قلوب المستضعفين , وعصارة جهدهم وسهرهم وعرقهم . ولكن مواسمهم تلك ليست محددة باحد الفصول الاربعة انما مفتوحه على مسار السنة وعادةً في اشهر معدودة خصوصا رمضان وذي الحجة.. في هذين الشهرين المباركيين ، ينطلق المؤمنون في رحاب الله ، وتشف ارواحهم ، فيجتهدون للتطهر من اوساخ الدنيا وادرانها ، وينظرون بعيون دامعه الى اخوانهم الفقراء والبؤسـاء على هذه البسيطة.
هنـــــــــالك يتسابق تجار”الرب” ويتكرر “مشهد” سوق قريتي . ولكن ، هذه المرة انطلاقا من التكيات والمساجد والحسينيات و”البعثات” وقناة الجزيرة والمنار والمواقع الانترنيتية ………الخ
فيحاول كل “تاجر” منهم التشكيك بنزاهة الاخر ، وكل مجموعة تُبطل شرعية غريمتها ، وحين يمر نيفا من الموسم ، ولم يحقق بيعه سـوقا ، تاخذ الوتيرة الدعائية بالارتفاع وتتطور حسب “حالةالافلاس” وقد تصل الى التفسيق والتضليل والتكفير …
والظاهر ان الاسواق كسدت بطريقة غير متوقعة متاثرة بالتقلبات الاقتصادية العالمية ويورصة نيويورك , ففضل البعض تغيير مهنتة نهائيا او جعلها ” مزدوجة ” ليكون كما يقول المثل المصري الشهير ( مثل المنشار جاي واكل رايح واكل )