زكي الشعلة .
حضرت إحدى مناسبات الأفراح وكانت ضيافة المعاريس رز مع لحم (مفطحات) حسب المصطلح العام، وتم اجتماع المدعوين في صالة الطعام وكان الكثير منهم يصرخ بصوت عالٍ، والأصوات كالتالي بلهجتنا الدارجة: “جيب هنا صحن بسرعة”، “تعالوا هنا ما في صحن”، “يالله متى تجيببوا العشاء؟”.. وهكذا كانت الأصوات تتعالى في ذلك المكان، ونحن نتناول العشاء والأصوات من كل جانب.
وفي جانب آخر، حضرت مناسبة أخرى في مكان مختلف وكان السائد هو الهدوء التام للجميع والهمس بين المدعوين، وقد تناولنا العشاء بكل انسيابية وهدوء ودون إزعاج من القائمين على وجبة العشاء.
نلاحظ في بعض أفراد مجتمعنا سواء في الأفراح أو المآتم أنهم عندهم ثقافة الصراخ بسبب الحب والحماس، وينبغي منا نشر ثقافة الهدوء في هذه المناسبات لارتفاع الوعي الاجتماعي والثقافي.
كان هناك ثلاثة شباب في أوروبا للبعثة الدراسية وهم مجتمعون في غرفة واحدة مستأجرين من امرأة عجوز وكانوا يلعبون في وقت راحتهم، وإذا بالباب يُطرق من قبل صاحبة البيت العجوز، فخرج شاب فقالت له بكل هدوء: “إن في البيت حريق اخرجوا بسرعة” وانصرفت. ورجع الشاب لأصحابه وحكى لهم حكاية العجوز فلم يصدقوها لأنها لم تصرخ. وبعدما انتشر الحريق في البيت تورطوا وأنقذهم الدفاع المدني، وبعدها عاتبتهم العجوز وقالت لهم: “ألم أخبركم أن في البيت حريق، لماذا لم تخرجوا؟”. فقالوا: ‘لأنك لم تصرخي وهذا لم نعتد عليه في وجود مصيبة مثل الحريق أن تخبرينا بهدوء”.
لقد عودنا أنفسنا وأطفالنا أن كل شيء يأتي بالصراخ وبالصوت العالي لتنفيذ الأمور، الأم تصرخ على أبنائها للمذاكرة والنظافة، والأب يصرخ على أبنائه للتوجيه والنصيحة، ويصرخ المعلم على طلابه لكي ينتبهوا ويحلوا الواجب، وتصرخ المعلمة على طالباتها لكي يذاكروا ويحققوا النجاح.
هل أنت ممن ينفذ الأمور بالصراخ عليك؟ أم تحب الكلام بهدوء؟ وهل ثقافة الصراخ لديك مغروسة وقد نمت وتطبق الصراخ على نفسك ومن هم حولك؟. وهل الصراخ يجعل الإنسان منتبهاً أكثر وتؤيده؟ أم يتطلب أحيانا الصراخ في بعض جوانب الحياة.
نلاحظ أن المعلم إذا تكلم بهدوء مع طلاب لتحقيق الاجتهاد، فلا يهتمون لكلامه، والأم إذا طلبت من بناتها تنظيف البيت أو غرفهن الخاصة بهدوء فلا يهتمن حتى تصل إلى مرحلة الصراخ عليهن.
كثرة الصراخ من الناحية الصحية متعبة ويحصل أحياناً تشنج للأعصاب وترهق الجسد وتجرح الأوتار الصوتية، وكل واحد قد جرب هذه الحالات. وأما الكلام بالهدوء والروية فيكون أكثر فائدة لصحة الإنسان.
دعونا نتعود على الكلام الهادئ بحيث يكون له أثر في تنفيذه واهتمامه في حياتنا الخاصة والعامة سواء في الأفراح والمآتم، ويتطلب أحيانًا الصراخ في حالات الإنقاذ السريع، أو تجاوز بعض الأزمات المفاجئة. وحتى على مستوى المركبات السيارات، فلا ينبغي استخدام البوري إلا في وقت الحاجة. فلاحظوا أنفسكم ومن هم حولكم من الأهل والأصدقاء لنشر ثقافة الهدوء.