نعم إن للشيطان الرجيم وشياطين الإنس وجوداً في كل عصر وزمان , مما يجعل حدوث المظالم أمراً ممكناً وعادياً , فما أكثر أمثال علي عليه السلام على مدى التاريخ ممن أصبحوا جلساء دارهم , في حين أن أمثال معاوية جلسوا بمقامهم ومحلهم , وقد ذكر القرآن الكريم في آياته البينات علة ذلك , وشرَح الأئمة المعصومين عليهم السلام هذا الأمر في أحاديثهم الشريفة مما لا يسع هذا المختصر أن يوردها بالتفصيل.
وخلاصة القول : إن هذه الدنيا هي دار امتحان , يتعرض فيها الجميع للاختبار والامتحان أما الموازين الإلهية , يقول الله عز وجل , في سورة العنكبوت : (( ألم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) .
إن الله عزّ وجل العادل المتعال قد امتحن حتى أولياءه وأنبياءه , أمثال موسى وداوُد وسليمان وغيرهم عليهم السلام , وغالباً ما كان موضوع الامتحان يتعلق بالأئمة المعصومين الإثنا عشر عليهم السلام , وولايتهم ومحبتهم , وسيبقى هذا الامتحان إلى يوم القيامة , أعاذنا الله تعالى زلة الأقدام , وثبتنا بالقول الثابت على ولايتهم ومحبتهم بحقهم عليهم السلام , والعاقبة للمتقين .
وخلاصة القول , إن مسألة الخلافة وولاية علي وآل علي عليهم السلام هي مسألة ليس هناك في المسائل والموضوعات الإسلامية مسألة بوضوحها , وما جرى في ذلك اليوم وإن كان في الظاهر هو غصب حق مسلم وضياعه , إلا أن الفضيحة كانت في عاقبة الأمور لهم . وقد قال سلمان ( المحمدي ) – رضوان الله عليه – حينها : ( كردند ونكردند ) ومعناه باللغة العربية , أنهم فعلوا ولم يفعلوا , أي أنهم حتى لو استطاعوا في ذلك اليوم أن يسيطروا على مقام الخلافة والولاية ويتصدى بعض مدعي الإسلام لهذا الأمر – وكما يقول سلمان إنهم فعلوا ما يريدون – إلا أن المدة لم تطل بهم افتضح أمرهم وفشلوا في هذا الامتحان الآلهي في الدنيا , أنهم اعترفوا بهذا الخطب العظيم والخيانة التاريخية – وكما قال سلمان أيضاً إنهم لم يفعلوا ما أرادوا أن يفعلوه ولم ينجحوا فيه – فلن تنطلِ الخدعة ولم تنجح الخيانة مع كل ما رافقها من وسائل دعائية , حتى أناّ نجد اليوم اسم علي وآل علي عليهم السلام في أعلى درجات الفخر والشرف عبر التاريخ , وقد عكسوا للإنسانية وللمسلمين أسمى الصور وأطهر النماذج , وظلت الشهادة الثالثة (( أشهد أن علياً أمير المؤمنين ولي الله )) تتردد في المآذن وعبر مكبرات الصوت وأجهزت المذياع والتلفاز لتصل إلى أبعد النقاط في العالم .
ونجد في المقابل صفحات سوداء من التاريخ , قد سجلت تلك الخيانات والانحرافات التي مارسها هؤلاء المفسدون عبر أربعة عشر قرناً من تاريخ الإسلام الطويل , مما يبكي عيون الإنسانية , ويُسَوّدُ ذاكرة التاريخ , ويوجه أصابع الاتهام والرفض لهم , حكماً عليهم بالخسران المبين ,
إننا لا نجد اليوم أوساطنا الإسلامية أسما أو شعاراً لأولئك الطغاة , وكأن نسلهم قد انقطع نهائياً من مجتمعاتنا (( فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )) .
وأخيراً , أقول لكل أولئك الأعزاء الذين أصابتهم حالة من الحيرة والتعجب مما جرى في تاريخنا , ولعلهم يتساءلون أحياناً عن علة حدوثه .
أقول لهؤلاء : إن الشمس الحقيقة حتى وإن غابت لحكمة إلهية بالغة خلف غيوم مجازية إلا أنها في عاقبة الأمر ستظهر , وستنجلي بظهورها كل الحجب المظلمة , ويختفي الظلم , فتشرق شمس العدالة لتنير بشعاعها الجميل العالم البشري , فيأخذ كل ذي حقٍ حقه فبشرى للمظلومين .
إن التساؤل عما حدث والاستنكار لما جرى بعد رسول الله صلى الله عليه وآله هو تساؤل طالما نجده على مدى التاريخ البشري , فقد تناول كتب الفلسفة , وهناك أجوبة لكل منها ولكن لا يتسع هذا المختصر لتفصيل ذلك , بل يحتاج ذكرها إلى كتاب منفصل , ولذا سنترك الحديث في هذا الأمر إلى مناسبة أخرى .
المصدر : تفَسير الثقلين.
المؤلف : سماحة آية الله المَعظّم المولى
الحَاجُ ميرزا عَبدُ الرَسِوُل الحائِري الاِحقاقي.
( خدام أوحديين )
للإشتراك في حساب الانستقرام لمجموعة الأوحد :- alaw7ad@