المسجد الحرام أو الكعبة هو المكان الذي أمر الله تعالى المسلمين بالتوجه إليه في صلاتهم و عباداتهم ، فهو مكان اختصه الله و شرفه و كرمه و جعله بيته فقال تعالى { وَ إِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْقَائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ }
و جعله قبلة للمسلمين و وجهتهم إلى ربهم عند الوقوف بين يديه تعالى ، فيكون ظاهر أجسامهم في التوجه إلى الله نحو الكعبة .
أما توجه القلب و الروح فيكون إلى باطن الكعبة و حقيقتها و هو الإمام المعصوم من آل محمد صلوات الله عليهم لقول أمير المؤمنين صلوات الله عليه في خطبته الإفتخارية : أنا البيت المعمور ، أنا السقف المرفوع ، أنا البحر المسجور ، أنا باطن الحرم ، أنا عماد الأمم ، أنا صاحب الأمر الأعظم ..(1)
و في خطبة أخرى له صلوات الله عليه قال : أنا البحر المسجور ، أنا البيت المعمور ، أنا الذي دعا الله الخلائق إلى طاعتي فكفرت ، و أصرت فمسخت ، و أجابت أمة فنجت و أزلفت ..(2)
و قال صلوات الله عليه في احدى خطبه أيضًا : أنا الكعبة و البيت الحرام ، أنا البيت العتيق كما قال اللَّه عز و جل : { فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ } .(3)
و أيضاً من خطبة له صلوات الله عليه قال : أنا قطب الديجور ، أنا البيت المعمور ، أنا زاجر القواصف ، أنا محرك العواصف ، أنا مزن السحائب ..(4)
و عن الصادق صلوات الله عليه قال : نحن البيت المعمور الذي من دخله كان آمنًا ..(5)
فالكعبة هي الظاهر ، و الإمام المعصوم هو الباطن ..
فكما توجهك بظاهرك للكعبة فيجب أن يكون توجهك بباطنك و قلبك و روحك و عقلك للإمام المعصوم من آل محمد صلوات الله عليهم .
و هذا ما ورد بصريح العبارة عن الإمام الرضا صلوات الله عليه في كيفية الصلاة قال : و أنوِ عند إفتتاح الصلاة ذكر الله و ذكر رسول الله صلى الله عليه و آله ، و اجعل واحداً من الأئمة صلوات الله عليهم نصب عينيك .(6)
و هذا لا يعني التوجه إلى الإمام من حيث هو المعبود من دون الله بل هو نظير التوجه إلى الكعبة بوجهك من حيث هي بيت الله الذي أمر سبحانه و تعالى بالتوجه إليه حالة العبادة .
فكذلك التوجه بقلبك و روحك إلى الإمام هو التوجه لوجه الله ، و مثاله الأعلى ، و آيته الكبرى ، و حجته العظمى ، و دليله ، و نوره ، و برهانه .
لأن الله تعالى في ذاته لا تقع عليه جهة معرفة ، فكما لا يمكن التوجه إليه ظاهرًا في الحواس الظاهرة لأنه تعالى ليس في جهة محددة ، فكذلك لا يمكن التوجه لذاته تعالى في الحواس الباطنة .
فالتوجه يكون للمثال الأعلى لله في خلقه .
و يشير إلى هذا المعنى مولانا الإمام موسى بن جعفر صلوات الله عليهما في حديث طويل في وصف الحقيقة المحمدية و الرقيقة العلوية منه أنه قال : لأنهم صفوة الصفوة ، اصطفاهم لنفسه و جعلهم خزان علمه و بلغاء عنه إلى خلقه ، أقامهم مقام نفسه ، لأنه لا يرى و لا يدرك و لا تعرف كيفيته و لا إنيّته ، فهؤلاء الناطقون المبلّغون عنه ، المتصرفون في أمره و نهيه ، فبهم يظهر قدرته ، و منهم ترى آياته و معجزاته ، و بهم و منهم عرّف عباده نفسه ، و بهم يطاع أمره ، و لولاهم ما عرف اللَّه ، و لا يدرى كيف يعبد الرحمن ، فاللَّه يجري أمره كيف يشاء فيما يشاء { لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ و هُمْ يُسْئَلُونَ } .(7)
و المثال الواقعي على هذا الكلام أنك إذا أخبرك أحدهم عن فلان أنه فنان ماهر في الرسم فلا يمكن لك أن تعرف ذلك إلا من خلال نظرك للوحات التي رسمها .
فإذا عرفت اللوحة و عرفت الإبداعات التي فيها عرفت الفنان بفنه و المبدع بإبداعه .
فأولًا عليك أن تتوجه للوحة و تنظر إليها ثم تتوجه إليها بعقلك و ذهنك لتعرف الإبداعات فيها ، ثم بعد أن تعرف جمالها ستمدح الرسام الفنان المبدع و ليس اللوحة ، و ليست اللوحة سوى وسيلة لمعرفة الرسام .
لذلك وجب معرفة الإمام بالنورانية لأنه آية الله الكبرى و أعظم ما خلق الله و أبدع ، فكلما عرفت الإمام أكثر كلما عظمت الله أكثر و عبدته أكثر .
فتوجهك للإمام عين توجهك لله كما أن معرفتك للإمام عين معرفتك لله تعالى .
✍️ #عبدهم_مصطفى
📚 المصادر و المراجع
(1) 📗مشارق أنوار اليقين|261 📗تفسير المحيط الأعظم|1|262
(7) 📗تفسير كنز الدقائق|9|519 📗تأويل الآيات الظاهرة|1|399 📗العوالم، السيدة الزهراء|1|32 📗الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء|1|332 📗بحار الأنوار|35|29 📗البرهان في تفسير القرآن|4|193