[[ الشهادة الثالثة المقدسة و حقيقةُ التطهُّر الحاصل من الإعتقاد بها ، و كمالُ الطهارة بذكرها الشريف عند الوضوء و الغُسل ]]
حيثُ جاء مروياً عن إمامنا أبي محمد الحسن الزاكي العسكري صلوات الله و سلامه عليهما ، عن رسول الله صلى الله عليه و آله أنّه قال : (( مِفتاحُ الصلاةِ الطَهور ، و تَحريمُها التكبير ، و تَحليلُها التَسليم ، لا يَقبلُ الله تعالى صَلاةً بغير طَهور ، و لا صَدَقةً مِن غُلولٍ ، و إنَّ أعظمَ طَهورِ الصلاةِ التي لا تُقبَل إلَّا به و لا شيئاً من الطاعاتِ معَ فَقدِه هو : مُوالاةُ محمدٍ ، و أنّه سيد المُرسلين ، و مُوالاةُ علي و أنّه سيد الوصيين ، و موالاة أوليائِهما ، و مُعاداةُ أعدائِهما )) .
فأمعِن النظر أيها العزيز حيث ذَكرَ لنا خاتم الأنبياء صلى الله عليه و آله الطَهور الأعظم الذي لا تُقبَلُ الصلاةُ إلّا به اذ((لا صلاة إلّا بِطهور )) بل لا تُقبَل طاعةٌ إلّا بحصوله و ما ذاك الطهور الأعظم إلّا ولايةُ النبي و علي و آلهما صلوات الله عليهم و التي مظهرها الفعلي بموالاة اوليائهم و مُعاداةُ اعدائهم و مظهرها القَولي الصَدعُ بالشهادة الثالثة المقدسة بعد الشهادة الثانية المشرّفة .
و لذا ترى أيها المحب كيف يوصي النبي الأعظم صلى الله عليه و آله أتباعه و محبّيه من أهل الإيمان في نفس الحديث الشريف حين يقول :
(( ..و إن قال في آخر وضوئِه ، أو غُسلِه للجنابة : سُبحانَك اللهمّ و بِحَمدِك أشهدُ أن لا إله إلّا أنت أستغفِرُكَ و أتوبُ إليك ، و أشهدُ أنّ محمداً عبدُك و رسولك ، و أشهدُ أنّ علياً وليُّك و خَليفَتُك بَعدَ نبيِّك على خلقِك ، و أنَّ أولياءَه خُلفاؤك ، و أوصياءَه أوصياؤك ؛ تَحاتَّت عنه ذنوبه كلّها كما تَحاتّ ورق الشجر ، و خَلَقَ الله بِعدد كلِّ قطرةٍ من قَطَراتِ وضوئِه أو غُسلِه ، مَلَكاً يُسبِّحُ الله و يُقدِّسه و يُهلِّله و يُكبِّره و يُصلِّي على محمدٍ و آله الطيبين ، و ثوابُ ذلك لهذا المتوضئ …)) .
فاعتبر أيها المحب – زاد الله في حبِّك لسيد الأوصياء صلواتُ الله عليه و عليهم – بما يقوله هذا الحديث الشريف :
أولاً – تتحاتُّ ذنوبه كورق الشجر حين تحاتّه ، و هل يعني هذا غير الطهارة الحقيقية الواقعية ؟
إذ أنَّ جَريانَ الماء المطلق على أعضاءِ الوضوء ، أو على تمام البدن الإنساني بحسب الشرائط و الأحكام التكليفية ما هو إلّا ظاهر الطهارة و لا يُمَثِّل بحسب الواقع إلّا اداءاً لمناسِكٍ يلزم علينا الإتيان بها لتحصيل الطهارة الظاهرية فحسب . بل إنّ الأمر قد يكون أبعد من ذلك بكثير إذ أنّ عَدوّ سيد الأوصياء صلواتُ الله عليه و عليهم الذي ينصِبُ العداءَ و البغضَ له لو جرى الماء على بدنه وضوءاً كان أو غُسلاً فإنّ بدنه سيُنجّس هذا الماء الذي لامَسَه لعينيّة نجاستهِ لعنة الله عليه و هكذا لو انتقلت رطوبةُ وضوئه أو غسله إلى أي جسمٍ طاهرٍ فإنه سَيَنجُس ، و بذا سيكون نجساً و مُنجّساً أعاذنا الله تعالى منه و من نجاسته ، فحقيقة الطهارة الواقعية إذن لا في الماء و إنمّا في الولاء لعلي و آل علي صلوات الله عليهم أجمعين و الذي يتجلّى ظهوره في عالم الأقوال بالشهادة الثالثة المقدسة .
و أمّا ثانياً – فإنّ الحديث الشريف يُحدّثنا عن الأثر التكويني لمجرّد ذكر الشهادة الثالثة المقدسة بعد الشهادتين الشريفتين عند الوضوء و الغسل فإن الله سبحانه و تعالى يخلق من كل قطرةٍ من قطراتِ وضوءِ أو غُسلِ ذلك الذاكر للشاهدة الثالثة المقدسة مَلكاً يُسبِّحُ الله و يُنزِّهَه و يصلي على النبي و آله .
فأيّ فاعلِيّةٍ لفيضِ هذه الشهادة الشريفة بحيث أنّ الباري يخلق من بركتها خَلقاً من أشرف خلقه و هم ملائكةٌ مسبحون مهللّون ؟!
فأيّ عظمةٍ هذه ؟! و أيّ نوريةٍ هذه ؟!
ثم إنّ النبي صلى الله عليه و آله يقول في نفس هذا الحديث الشريف :
( ثم يأمر اللهُ بوضوئِه ، و بغُسلِه فيُختَم بخَواتيم ربِّ العِزّة ، ثمَّ يُرفعُ تحتَ العرش ..) .
و هذا شيءٌ أعظمُ من سابقه !!!
إذ يُختَمُ وضوؤه أو غُسله بخَواتيم ربِّ العِزّة ، ثم ماذا ؟
يُرفَعُ تحت العرش !!!
الله أكبر ؛ أيُّ فضلٍ هذا ؟!
ماءٌ يستعمله الإنسان لدفع نقص من نقائصه الكثيرة من أحداثٍ موجبة للوضوء أو الغُسل تُخلَقُ منه ملائكةٌ في غاية الطهارة و النزاهة و التقدّس عن كلّ نقائصنا البشرية و مُوبِقاتنا ، ثم يُرفع ذلك الوضوء ليكون تحت العرش ؟
أيّ قوةٍ رافعةٍ هذه القوّةُ الهائلة الكامنة في الشهادة الثالثة المقدسة ؟!
و لا عجب في ذلك ..أوَليس أنها من شؤونات : ( ليث بني غالب ، مَظهَر العجائب ، و مُظهِر الغرائب ، و مُفرِّق الكتائب ، و الشهاب الثاقب ، و الهِزبر السالِب ، نُقطةِ دائرةِ المطالب ، أسد الله الغالب ، غالب كل غالب ، و مطلوبِ كلّ طالب ، صاحب المفاخر و المناقب ، إمام المشارق و المغارب ، مولانا و مولى الكونين الإمام أبي الحَسنين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلواتُ الله و سلامه عليه ) .
[[ الشهادة الثالثة المقدسة معدن الإسلام الكامل و جوهر الإيمان الحق ص ٢٠١ لسماحة الشيخ عبد الحليم الغزي ]]