[[ الشهادة الثالثة المقدسة من وحي التمازج الحقيقي المعنوي بين الحقيقتين النوريتين المحمدية و العلوية ]]

[[ الشهادة الثالثة المقدسة من وحي التمازج الحقيقي المعنوي بين الحقيقتين النوريتين المحمدية و العلوية ]]
١-(( عن الصادق عليه السلام قال : إنّ محمداً و علياً صلوات الله عليهما كانا نوراً بين يدي الله جل جلاله قبل خلق الخلق بألفي عام ، و إنّ الملائكة لما رأت ذلك النور رأت له أصلاً و قد إنشَعبَ منه شُعاعٌ لامِعٌ ، فقالت : إلهنا و سيدنا ما هذا النور ؟
فأوحى الله عزوجل إليهم : هذا نورٌ من نوري أصلهُ نبوة و فرعهُ إمامة ، فأنا النبوة فلِمُحمد عبدي و رسولي ، و أما الإمامة فلِعَلي حُجّتي و وَليّي ، و لولاهُما ما خَلقتُ خلقي )) .
٢-(( عن أنس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول : كنتُ أنا و علي عن يمين العرش ، نُسبّحُ الله قبلَ أن يَخلُقَ آدم بألفي عام ، فلما خلق آدم جعلنا في صُلبه ، ثم نَقلنا مِن صُلبٍ إلى صُلب في أصلابِ الطاهرين و أرحامِ المطهّرات حتى إنتهينا إلى صُلب عبد المطلب ، فقَسَمَنا قسمين : فجعل في عبد الله نِصفاً ، و في أبي طالب نِصفاً ، و جَعَلَ النبوة و الرسالة فيَّ ، و جَعَلَ الوصية و القضية في علي ، ثم إختارَ لنا إسمَين إشتَقَّهما من أسمائه : فالله المحمود و أنا محمد ، و اللهُ العَلي و هذا علي ، فأنا للنبوة و الرسالة ، و علي للوصية و القضية )) .
٣-عن إمامنا الصادق صلوات الله عليه قال : (( قال الله تبارك و تعالى : يا محمد إني خَلَقتُك و علياً نوراً يعني روحاً بِلا بَدَن قَبلَ أن أخلُقَ سَماواتي و أرضي و عرشي و بَحري فلَم تَزَل تُهلّلني و تُمجّدني ، ثم جَمعتُ رُوحَيكُما فجعلتُهما واحدةً فكانت تمجّدُني و تُقدّسُني و تُهلّلني ، ثم قَسَمتُها ثِنتَين و قَسَمتُ الثنتين ثِنتَين فصارت أربعةً محمدٌ واحدٌ و عليٌّ واحدٌ و الحسنُ و الحسين ثِنتان ، ثم خَلَقَ الله فاطمة مِن نورٍ ابتَدأها روحاً بِلا بَدَن ، ثم مَسَحنا بيَمينه فأفضى نوره فينا )) .
فانعم النظر أيها العزيز في قوله تعالى : (( ثم جَمعتُ رُوحَيكُما فجعلتُهما واحدةً )).
٤-(( عن محمد بن سنان قال : كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام فأجريتُ اختلافَ الشيعة ، فقال : يا محمد إنّ الله تبارك و تعالى لَم يَزَل مُتفرِّداً بوَحدانِيّتهِ ثم خَلَقَ محمداً و علياً و فاطمة ، فمَكثُوا ألفَ دَهرٍ ، ثم خَلَقَ جميع الأشياء ، فأشهَدَهُم خَلقَها و أجرى طاعَتَهم عليها و فوّض أمورَها إليهم ، فهُم يُحلُّونَ ما يشاؤونَ ، و يُحرِّمونَ ما يشاؤون ، و لن يَشاؤوا إلّا أن يشاءَ الله تبارك و تعالى ، ثم قال : يا محمد هذه الدِيانةُ التي مَن تَقَدمها مَرِق ، و مَن تَخلّفَ عنها مَحِق ، و مَن لَزمَها لَحق ، خُذها إليك يا محمد )) .
٥-(( عن محمد بن الفيض بن المختار ، عن أبيه ، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر ، عن أبيه ، عن جده عليهم السلام قال : خرج رسول الله صلى الله عليه و آله ذاتَ يوم و راكبٌ ، و خرج علي عليه السلام و هو يَمشي ، فقال له : يا أبا الحسن إمّا أن تركَب و إمّا أن تَنصَرِف ، فإنّ الله أمَرني أن تَركَب إذا رَكبتُ ، و تَمشي إذا مَشيت ، و تَجلسَ إذا جَلستُ ، إلّا أن يكون حدّاً مِن حدود الله ، لابدّ لكَ من القيام و القعود فيه ، و ما أكرَمَني الله بِكرامَةٍ إلّا و قَد أكرمَكَ بمثلها ، و خَصّني بالنبوة و الرسالة ، و جَعلكَ وَليّي في ذلك تقومُ في حدوده و في صَعبِ أموره ، و الذي بعثَ محمداً بالحق نبياً ما آمنَ بي مَن أنكَركَ ، و لا أقرّ بي مَن جَحَدَك ، و لا آمنَ بالله و فيَّ مَن كَفَرَ بِك ، و إنّ فَضلَك لمن فَضلي ، و إنّ فضلي لك فضل ، و هو قولُ ربي عزوجل { قُل بِفضلِ الله و بِرحمَتهِ فبِذلك فَليَفرَحُوا هو خيرٌ مما يَجمَعون } ، ففَضلُ الله نبوةُ نَبيِّكم ، و رَحمتهُ ولايةُ علي بن أبي طالب ، فبذلك قال : بالنبوة و الولاية فليَفرَحوا ، يعني الشيعة ، هو خيرٌ مما يَجمَعون ، يعني : مخالفيهم من الأهل و المال و الوَلَد في دار الدنيا .
واللهِ يا علي ما خُلقتَ إلّا لتَعبُدَ ربك ، و ليُعرفَ بكَ معالمُ الدين ، و يَصلُحَ بكَ دارس السبيل ، و لقد ضَلَّ عنك و لَم يَهتَدِ إلى الله عزوجل مَن لَم يَهتدِ إليك و إلى ولايتِك ، و هو قولهُ عزوجل { و إنّي لَغَفَّارٌ لِمَن تابَ و آمَنَ و عَملَ صالحاً ثمَّ اهتدى } يعني إلى ولايتِك ، و لقَد أمَرني رَبّي تبارك و تعالى أن أفتَرِضَ مِن حَقِّك ما افتَرضَه مِن حَقّي ، و إنّ حَقّكَ لَمفروضٌ على مَن آمَن بي ، و لولاكَ لَم يُعرَف حزبُ الله ، و بِك يُعرَفُ عَدوُّ الله ، و مَن لَم يَلقَه بولايتِك لَم يَلقَه بشيء ، و لقد أنزلَ الله عزوجل إليّ { يا أيُّها الرسول بَلِّغ ما أُنزِلَ إليكَ مِن رَبِّكَ } ، يعني : في وِلايتِكَ يا علي ، { و إن لَم تَفعَل فَمَا بَلَّغتَ رسالته } ، و لو لَم أُبلّغ ما أُمرتُ به مِن ولايتِك لحَبَطَ عملي ، و مَن لقي الله عزوجل بغير ولايتك فقد حَبَطَ عَمَلُه ، و غداً يخزى ، و ما أقولُ إلّا قول ربّي تبارك و تعالى ، و إنّ الذي أقولُ لمن الله عزوجل أنزَلَه فيك ))
.
و هنا إشارات سريعة :
١- الروايات في هذا المضمون كثيرة جداً ، و قد اقتصرت هنا على بعض النماذج منها ، فأخترت أمثلة من أحاديث التمازج المعنوي النوري بين الحقيقتين المقدستين في عالمهم قبل الخلق ، و كذا في العوالم العُلوِيَّةِ الرفيعة ، و إخترت إنموذجاً من الأحاديث التي تتحدث عن معنى التمازج في آثار هاتين الحقيقتين المقدستين في العالم الدنيوي ، و هو الرواية الشريفة الخامسة ، و ما هذا الذي ذكرته إلّا شيء يسير يسير في قِبال الذي لم أذكره من أحاديثهم الشريفة صلواتُ الله عليهم .
٢- الروايات المذكورة تشتمل على بعض المواطن التي هي بحاجة إلى شرح و بيان كقول الرواية الأولى : (( قبلَ خَلقِ الخَلق بألفي عام )) ، و قول الثانية : (( قبلَ أن يخلقَ آدم بألفي عام )) و قول الثالثة : (( قبلَ أن أخلقَ سَماواتي و أرضي و عَرشي و بَحري )) ، و قول الرابعة : (( فمَكثُوا ألفَ دَهرٍ ، ثم خَلَقَ جميع الأشياء )) ، و غيرها من المواضع الأخرى التي هي بحاجة إلى توضيح و تبيين ، و إنما أشرت إلى هذا الأمر أيها المحب لئلا يشتبه عليك الأمر فتظن أن هذه الروايات متضاربة فيما بينها ، و الحقُّ انها ليست كذلك ، إذ أن كل رواية أخذت معناها بلحاظ معين ، أو حيثية من الحيثيات ، و من هنا ظهر فيها هذا الإختلاف الإعتباري ، و لو كان المقام منعقداً للحديث في هذه المسألة لرفعت لك الإلتباس عنها و لكن هذا يحتاج إلى كلام طويل و مقدمات و تفريعات أسأله تعالى أن يوفقني أيها العزيز لخدمتك ، و خدمة كل من أحب أهل هذا البيت الطاهر الطهر المطهر الأطهر الطهور صلوات الله عليهم ، في مقام آخر يكون مناسباً لبحث هذه المسألة و أشباهها بالتفصيل .
٣- و الفتُ إنتهابك أيها المحب من أنه في هذه الروايات الشريفة و نظائرها من الأحاديث التي تتناول جانباً من المعارف الإلهية ، و النبوية ، و الولوية ، أسرار لا يعلمها إلّا الله تعالى و هم صلوات الله عليهم ، و تقفُ عقولنا عاجزةً عن اكتناهها ، و الإحاطة بمغزاها ، و على سبيل المثال و الشاهد : كقول الرواية الأولى : (( كانا نوراً بين يدي الله جل جلاله )) ، و قول الرواية الثانية : (( فالله المحمود و أنا محمد ، و الله العلي و هذا علي )) ، و قول الرواية الثالثة و هو أكثرها سراً : (( ثم مَسَحنا بيَمينه ، فأفضى نوره فينا )) ، و ليس مُرادي أنا نجهل المعاني اللغوية لهذه العبارات فإن دلالتها العربية واضحة من الجهة اللفظية و ما دلّت عليه قواميس اللغة ، و كذا ليس المُراد من الجهة الأدبية لاسلوب تعبيرها و ما يمكن لنا من تقريب معانيها إلى الأذهان على أساس الكناية و الإستعارات ، إنما المقصود حقيقة معناها : فما حقيقة نورهما الأصلي ؟ و كيف كانا بين يدي الله ؟ و ما معنى المحمودية حقّاً ؟ و ما معنى العليّة الإلهية الظاهرة في علي صلوات الله عليه ؟ و كيف كان المسح النوري الإلهي لهذه الحقائق المقدسة ؟ و غير ذلك كثير ..!
أسرار تقف أمامها العقول الجبارة صاغرة ، متحيّرة ، قد أطبقَ عليها الجهل من جميع جهاتها .
٤- و أوصيك أيها المحب أن تُطيلَ النظرة إلى الرواية الخامسة الشريفة لتنتفع منها أدباً عميقاً بارعاً في التخلّق و التأدّب مع الأئمة المعصومين عليهم السلام بنحوٍ خاص ، و مع إمام زماننا صلوات الله عليه بنحوٍ أخص اللهم أثلِج صدرَه الشريف بأنصارٍ مُخلصين يكونون له قرّة عين ، و وفِّقنا لأن نكون من خدّامهم ، (( و أعِنّا على تأدِيةِ حقوقه إليه ، و الإجتهاد في طاعَته ، و إجتِنابِ مَعصيته ، و امنُن علينا بِرِضاه ، و هَب لنا رأفَته ، و رحمَته ، و دعائَه ، و خيره )) صلواتُ الله عليه و على آبائه الأطيبين الأطهرين .
٥- و جميل النظر إلى هذه الأحاديث الشريفة التي تتحدث عن تمازج الحقيقتين الشريفتين و أنه لا انفكاك بينهما في كل أدوار العوالم العُلوِيَّةِ قبل الخلق ، و بعد الخلق ، و أن هذا التمازج المعنوي ظاهر في الجنبة النورية الذاتية ، و في الجنبة العرضية ، و ما يرتبط بهما من آثار خارجية لا بمعنى الحلولية أو التناسخ ، أو الوحدة في الوجود و الموجود معاً من دون الكثرة و اختلاف المراتب و تباين المظاهر ، و إنما من جهة توحد الجوهرية فيهما بلحاظ جامعية الأسماء الحسنى المشرقة في كل من الحقيقتين جمالاً و جلالاً ، و على أي حال فالبحث بهذا النحو خارج عن مقصودنا في هذه الرسالة .
و لكن الذي يمكن أن يُقال إن ما يؤدي إليه النظر الجميل في هذه الروايات أن التصاق الشهادة الثالثة بالشهادة الثانية التي هي ملتصقة بالشهادة الأولى ، إنما هو مظهر الترابط الوثيق و التمازج العميق في مرتبة الوجود اللفظي البشري ، كما أن مظاهر الحقيقتين في كل العوالم متمازجة متلاصقة ، فكذا مظهرهما اللفظي البشري يتجلى فيه هذا المعنى من التمازج و التعاشق و الذي هو مرتبةٌ من مراتب القوس النزولي لوجود هذه الحقائق الشريفة ، أفَليسَت للأشياء وجودات أو قُل مراتبٌ وجودية مختلفة أُخِذت كل واحدة منها بلحاظ ، فللأشياء وجودٌ نوري حقيقي ، و وجودٌشَبَحي ظِلِّي ، و لها وجودٌ مادي ، و آخر معنوي ، أو قُل لها وجود خارجي ، و وجود ذهني ، و كذا وجود لفظي ، و وجود كتبي ، و غير ذلك من مراتب وجود الشيء بحسب الحيثيات الفلسفية المنظور منها و بها إلى وجود الشيء و موجوديّته .

[[ الشهادة الثالثة المقدسة معدن الإسلام الكامل و جوهر الإيمان الحق ص ١٧٥ لسماحة الشيخ عبد الحليم الغزي ]]

https://t.me/heyatalallah313

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة