السيد منير الخباز الأوحد في أفق الإنصاف

السيد منير الخباز الأوحد في أفق الإنصاف
كلمة آية الله
السيد منير الخباز دامت بركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على المصطفى وآله المعصومين الظاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين
الأوحد في أفق الأنصاف
إننا عندما نتحدث عن السمة العلمية للشيخ الأحمد المعروف بالأوحد قدس سره فإنما نتحدث عنه بما هو أحد العلماء والأقطاب في ساحة الفكر الإمامي , مع غمض النظر عن مواطن الاختلاف الفكري بينه وبين الاتجاه المعروف حوزوياً , ومع غمض النظر عما نسب لمدرسته بعد موته من قبل بعض مؤيديه أو بعض معارضيه.
فالحديث يقتصر على العنصر العلمي في شخصيته كالحديث عن الشيخ الصدوق عليه الرحمة في فقهه , وإن اختلفنا معه في بعض المعتقدات والآراء , أو كالحديث عن المحدث الفيض في فلسفته وإن اختلفنا معه في بعض اطروحاته ونظرياته.
فإن اعترفنا بوجود مواطن اختلاف بين الاتجاه الفكري الحوزوي وبين الاتجاه الفكري للأوحد قدس سره , لا يمنعنا من قول كلمة إنصاف في المقام.
فلقد تميز الشيخ الأوحد قدس سره ببراعة فكرية , ومطالب علمية جليلة فيما طرقه من حقول العرفان والحكمة والكلام , ففي حقل العرفان : تناول قدس سره باقة من المعارف المستفادة من شمس الحكمة من مشرق نور أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم أجمعين , مؤكداً بنفسه اقترانها بالمجاهدة الرياضية وتهذيب النفس ومن الشواهد ما أفاده قدس سره من أن مضمون الآية المباركة : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجدلهم بالتي هي أحسن } هو مضمون قوله صلى الله عليه وآله : { آية محكمة , وفريضة عادلة , وسنة قائمة , وما خلا ذلك فهو فضل } , وبيان ذلك أن الأدلة على الحق ثلاثة :
أ – دليلة الحكمة , وهو الدليل العياني الحاصل بمشاهدة عالم الجبروت , وعالم العقل والمعاني , وهو آلة المعارف الإلهية الحقية , فبغير هذا الدليل لا يعرف الله عز وجل معرفة حقيقية حقة , ومثال هذا الدليل ما ورد عن سيد الشهداء الحسين عليه السلام { أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك } , ودليل الحكمة هو مضمون ما ورد عن الصادق عليه السلام في قول الله عز وجل : { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً } , فقال عليه السلام : طاعة الله ومعرفة الإمام , حيث إن الأول حكمة عملية , والثاني – وهو معرفة الإمام – علمية , ووعاء هذا الدليل هو الفؤاد , فإن المشاعر في الإنسان ثلاثة:
1 – الصدر , وهو النفس الكلية التي هي محل الصور العلمية التي ترد على ذهن الانسان.
2 – القلب , وهو محل اليقين والاذعان بالنسب الحكمية.
3 – الفؤاد , وهو محل المعارف الإلهية المجردة , قال عز وجل : { كذلك لنثبت به فؤادك } , والفؤاد هو الوجود المحض في الإنسان , وهو نور الله الذي أشار إليه صلى الله عليه وآله في قوله: { اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله } .
ب – دليل الموعظة الحسنة , وهو آلة علم الطريقة المساوق لعلم اليقين { كلا لو تعلمون علم اليقين } , كما أشارت له الروايات الشريفة , منها ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام : { العلم ليس في السماء فينزل إليكم , ولا الأرض فيصعد إليكم , العلم في أنفسكم , تخلقوا بأخلاق الروحانين يظهره الله لكم } , وورد عن الصادق عليه السلام { أقل ما قسم الله بين عباده اليقين } , فالناس تتفاوت في درجات اليقين بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين وصدق اليقين , وقيل للصادق عليه السلام فما حد اليقين ؟ فقال عليه السلام : { أن لا يخاف شيئاً } , ووعاء هذا الدليل القلب المعتمد والمستند للكتاب والسنة , ومثال هذا الدليل ما قاله الصادق عليه السلام في حواره لابن أبي العوجاء أمام الكعبة المشرفة حيث استهزء ابن أبي العوجاء بطواف الحجيج حول الكعبة , وطلب من الامام عليه السلام أن يقنعه بدليل على صحة ذلك , فقال عليه السلام : { إن كان الأمر كما تقول , وليس كما نقول نجونا ونجوت  , وإن كان الأمر كما نقول , وهو كما نقول نجونا وهلكت }.
ج – دليل المجادلة بالتي هي أحسن , وهو دليل العلم والصور الذهنية , ولذلك أصبح هذا الدليل آلة لعلوم الشريعة فقهاً أو كلاماً , ومن أمثلة هذا الدليل قوله عز وجل : { أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون } , ووعاء هذا الدليل النفس الكلية التي هي محل الصور العلمية.
وأما الحقل الثاني وهو مجال الحكمة : فإن كثيراً من أهل العلم خاض بحر الفلسفة ولكن أخذته الهيبة والخشوع منه , وصعب عليه السيطرة على أمواجه المتلاطمة فأذعن بتراثه كما يذعن بالوحي , مع أن بعض نضريات الفلسفة مما لم يدعمها البرهان القاطع , بل جاءت مصادمة لظاهر النص الساطع , كقولهم – أي الفلاسفة – بأن تقدم الخالق عز وجل على الوجود الإمكاني تقدم العلية , بينما ظاهر النصوص أنه من قبيل الخالقية والإبداع { ذلكم الله ربكم خلق كل شيء } , كما ورد عن الصديقة الشهيدة فاطمة الزهراء عليها السلام : { ابتدع الاشياء لا من شيء كان قبلها } , وكقولهم بأن إرادته جل وعلا علمه بالنظام الأصلح , بينما ظاهر النصوص أن إرادته فعله , وكقولهم بخضوع الإيجاد الإلهي لقاعدة أن الواحد لا يصدر منه إلا الواحد , ولذلك اضطرو للقول بنظرية العقول العشرة , مع أن مستند قاعدة أن الواحد لا يصدر منه إلا الواحد كون المعلول وجوداً نازلاً للعلة , والحال أن نسبة الباري عز وجل ليست نسبة العلة للمعلول بل نسبة الفاعل لفعله , فلا يكون ايجاده خاضعاً لهذه النظرية , وكقول جمع منهم – أي الفلاسفة – بأصالة الوجود وحده , مع أن من القضايا الحقانية الصادقة عقلاً ما ليس له وعاء في ساحة الوجود لا الذهني ولا الخارجي , كاذعان العقل بامتناع اجتماع النقيضين , واذعان العقل بالإمكان الماهوي ونحو ذلك من القضايا مما يفرض القول بأن لوح الواقع أوسع من لوح الوجود الخارجي.
وهذا الإختلاف بين بعض النظريات الفلسفية وبين ما قضى به الوجدان في بعض الموارد , وقضت به النصوص المعتبرة في موارد أخرى مما حدا ببعض العلماء كالميرزا مهدي الاصفهاني المشهدي قدس سره , والسيد عبد الأعلى السبزواري وغيرهم , ومنهم الشيخ الأوحد قدس سره على التركيز على استقاء هذه المعارف الوجودية من عين الوجود ومنبع الفيض بتمام مراتبه وأصقاعه , وهو نبع أهل بيت الوحي والعصمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لا من كلمات غيرهم من الفلاسفة اليونانين وغيرهم.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك من كلامه قدس سره ما ذكره في تقسيم الوجود بلحاظ أن الشيء : إما صانع , أو صنع , أو مصنوع.
فالأول هو الوجود الحق الواجب , الذات البحت , المجهول النعت . والثاني – وهو الصنع – هو الوجود المطلق , الذي لا يتوقف على شرط , وهو التعين الأول المعبر عنه في النصوص الشريفة بالمشيئة { خلق الله الأشياء بالمشيئة وخلق المشيئة بنفسها } وهذا الوجود المطلق هو الرحمة الكلية , المستفادة من قوله عز وجل: { الرحمن على العرش استوى } , وهو الحقيقة المحمدية على بعض الآراء المكنونة في قوله جل وعلا في الحديث القدسي { فأحببت أن أعرف } فهو خيط المحبة صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين , وهذا القسم من الوجود المعبر عنه بالوجود المطلق هو عالم الأمر الذي أشارة إليه الآية المباركة { ألا له الخلق والأمر } , كما أن فعله جلا وعلا بلحاظ آخر وبتقسيم آخر ذو منازل : أولها : المشيئة التي هي بالنسبة لغير الله عبارة عما يبدو للفاعل من الفعل , أما بالنسبة لله فمشيئته هي الفعل الذي يكون به الشيء شيئاً مذكوراً { هل أتى على الإنسن حين من الدهر لمن يكن شيئاً لم يكن شيئاً مذكوراً } . وثانيهما : الإرادة وهي في غير الله عز وجل هي العزيمة على ما شاء , وأما بالنسبة إلى الباري تبارك وتعالى فإرادته ما تلزم به الماهية للوجود وتكون حداً وموضوعاً للوجود . وثالثها : التقدير وهو إيجاد الحدود كما قال عز وجل { إن كل شيء خلقناه بقدر } المحقق للخلق الثاني بعد الخلق الأول بالمشيئة . ورابعها القضاء وهو إتمام  ما قدر , كما في إتمام المادة الهيولائية بالصورة المرادة لها , كما قال عز وجل تعبيراً عن هذه المرحلة وهي مرحلة القضاء { فقضهم سبع سموات } . وخامسها : الإمضاء الذي تكون نسبته للأعمدة الأربعة السابقة نسبة البيان , فالأعمدة الأربعة السابقة مقومات الوجود , لكن بيان هذه المقومات يتم بالامضاء , فهو إظهار الأشياء بجميع ما لها من العلل وما عليها من المعلولات , لتصبح بذلك دليلاً ومدلولاً عليه.
وأما القسم الثالث من الوجود فهو الوجود المقيد , لأنه المادة الأولى لكل مخلوق , التي تفتقر في مقام التعين للصورة وهذا القسم المعبر عنه بلحاظ مقام الظهور والبروز بالنور , كما عن أمير المؤمنين عليه السلام : { إن أول ما خلق النور } , وهو المعبر عنه بلحاظ قابليته لأن يتصور وأن يتشأن بصور وشئون مختلفة بالماء , كما يتشكل الماء بصور مختلفة قال عز وجل { وجعلنا من الماء كل شيء حي } , وأول هذا القسم من الوجود المقيد الدرة , وهي العقل الكلي الذي أشار إليه المصطفى صلى الله عليه وآله بقوله: { أول ما خلق الله عقلي } , وآخره الذره والهباء .
وأما الحقل الثالث : وهو مجال علم الكلام المتضمن لمعارف العقيدة , خصوصاً ما يرتبط بالعقيدة بمقام أهل بيت الوحي صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فقد طرح فيه الأوحد قدس سره بعض المقامات العلية للنبي المصطفى صلى الله عليه وآله .
فقد ورد في النصوص الشريفة أن المصطفى صلى الله عليه وآله أول صادر , فسبقه على جعالم الوجود بجميع مراتبه سبق حقيقي , وبذلك اتصف المصطفى بكونه على مادية للوجود .
وهذا لا يختص بالشيخ الأوحد فقد أشار إليه العلامة الحجة الشيخ علي الجشي القطيفي قدس سره في منظومته عندما قال:
كل نور في ساحة الكون بادي
هو من فضل نورخير العباد
أحمد المصطفى من الله قدماً
قبل خلق الآزال والآبادي
كما أن جميع المظاهر والتجليات البارزة في عالم الوجود التي تحكي عظمة الخالق جلا وعلا انعكاس للصور القائمة بعالم المشيئة والوجود المطلق , وحيث إن عالم الوجود المطلق هو الحقيقة المحمدية فالصور في هذا العالم إنعكاس لصور في الحقيقة المحمدية فلذلك كان نور المصطفى صلى الله عليه وآله علة صورية للوجود , وهذا ما أشار إليه ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام في وصف النبي صلى الله عليه وآله { نور أشرق من صبح الأزل فيلوح على هياكل التوحيد آثاره } وحيث إنه ثبت لنبي الله عيسى عليه السلام العلية الفاعلية غير المستقلة المفوض إليها من قبل الله بتفويض إذني لا بتفويض عزلي , كما هو المستفاد من قوله عز وجل : { وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني } فإذا ثبت ذلك للمسيح عيسى ابن مريم عليه السلام ثبت ذلك للمصطفى صلى الله عليه وآله بمقتضى كون أفضل الخلق وأشرفهم بالضرورة , وبما أن المستفاد من حديث الكساء وزيارة الجامعة وغيرها من النصوص أنه العلة الغائية للوجود المعبر عنها في قول الله عز وجل في الحديث القدسي : { لولاك لما خلقت الأفلاك } كان مقامه صلى الله عليه وآله جامعاً للعلل الأربع باختلاف الجهات الحيثيات .
وقد أشار إلى جامعية المصطفى صلى الله عليه وآله لهذه المقامات المحقق الاصفهاني قدس سره أستاذ سيدنا الخوئي , ولم يختص ذلك بالشيخ الأوحد قدس سره حيث قال الأصفهاني في منظومته المعروفة:
أشرق كالشمس بغير حاجب
من مشرق الوجوب نور الواجب
أو من سماء عالم الأسماء
نور المحمدية البيضاء
لقد تجلى مبدأ المبادي
من مصدر الوجود والإيجاد
هو التجلي التام والمجلى الأتم
ومالك الحدوث سلطان القدم
أبو العقول والنفوس والبشر
وقوة القوى وصورة الصور
أصل الأصول فهو علة العلل
عقول العقول فهو أول الأول
وما أفاده قدس سره من حيث العلة المادية والعلية الغائية تام لا يشك فيه أحد من علماء الإمامية , وأما من جهة العلية الصورية فربما تفتقر عند بعض العلماء إلى شواهد أوضح مما ذكر من الشواهد , وأما من جهة العلية الفاعلية فما قام عليه الدليل القاطع والواضح هو كونهم عليهم السلام علة فاعلية , بمعنى أنهم واسطة الفيض , والشرط المتمم لقابلية القابل , لا العلة الفاعلية بمعنى المقتضى , أو الشرط المصحح لفاعلية الفاعل.
والحديث عن مقامات الأئمة المعصومين عليهم السلام مما يجف عنه قلم الوجود.
قال عز وجل : { قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً } .
نسأل الله تعالى أن يبصرنا بعيوب أنفسنا , وأن يوفقنا لاستفاضة معرفة مقامات واسطة الفيض محمد المصطفى وآله المعصومين , ووأن يرزقنا لطف علومهم في الدنيا , وبرد شفاعتهم في الآخرة , والحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين
السيد منير الخباز 
المصدر: كتاب كلمات وبحوث
جمع وإعداد الشيخ توفيق ناصر البوعلي

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة