التربية

التربية

 خلق الله تعــالى عالـم الــوجود بقــدرته وإرادتـه ، وعلى سبيــل الحكمــة فقــد خلق الأشياء كــلّها لأول وهلة بصورة ( النطفــة ) ، لكي يتسنى لهـــا تحت إشــراف الــطبيعــة والأسبــاب والوســائل الخــاصــة بهــا أن تمــرّ بمراحل مختلفــة في النموّ والتنشئــة ، وتعبر منازل الطفولة لتصل إلى درجة البلوغ . 

       من الواضح أنَّ حركة كل موجــود إلى هنــا حــركــة طبيعيــة ، ودبيب كــلّ دابــة فطري . . . أمَّا بعد هذه المرحلة فإنه يحتاج للوصــول إلى الكمــال المــطلوب والهــدف النهائي إلى يدٍ قديرة أخرى ( ) . 
       فمثــلاً . . . إســتنــاداً إلــى أمــر الله ومشيئته العاليــة ، تقوم الــطبيعــة في بــاطن الأرض بتربية وتنشئة الحجر والتــربة لتتبــدل بعــد آلاف السنين إلى حــديــد ، أو معــدن آخر . 
       إنــَّه يمهّــد الأرض لتنــشئــة أنــواع الأشجــار ، وتحــويــل النبتــة الضعيفــة إلى شجــرة باسقــة ، أو انه يهيــئ عــوامــل نمــوّ الحيــوانات والــدوابّ المختلفة في أحضــان الأرض ، لتكــون في متناول بني الإنســان ، وكذلك يخلق الــطيور على اختــلاف الوانهــا لتطير هنا وهناك . 
       لكن جميــع هذه المخلوقــات تتــوقف عن الحركة والسير عندمــا تصل إلى نصــابها الطبيعي . 
       ويصل الدور إلى الإنسان في تحويــل خامات الحديد أو قطع الحديــد المتروكــة – بفضل التربية – إلى مِعول ومطرقة ، ومنجــل ومـسحــاة ، وســيــف . . . وآلاف الأدوات والآلات الثمينة ( ) . 
       قــد يحصــل الإنســان على مئــات الكيلوغرامات من خامات الحديد في مقــابل مثقال من الذهب . . . ولكن بعد أن تخضع خــامات الحــديد للتــربية الصنــاعية قــد تبلغ قيمــة المثقــال من الحــديــد أضعــاف قيمــة المثقال من الذهب . 
       وهكــذا الفضــة والنحــاس والفلزات الأخرى . 
       وحتى الأحجار التي لا قيمة لهــا ، قد تبلغ قيمتها إلى الملايين بعد أن تعمل اليــد البشرية العجائب فيها . 
       إنَّ خشــب الأشجار غير المثمــرة الذي لا فائدة فيه بعد بلوغه النصاب الــطبيعي غير الإحراق ، تستطيع يد الإنســان الفنــان أن تصنــع منه الأبــواب والشبابيــك ، والكراسي والمنضــدة ، وآلاف الصنــائــع البــديعــة الأخرى . 
       إنَّه يُستفاد منــه في زاوية المــطبــخ ، إلى قــاعــات الاستقبــال الجميلة ، وتــزيين الجدران والفرش . . . وغير ذلك . 
       هــذا الفكــر الخــلّاق للبشــر يحــوّل الكلب إلى راع للمــاشية ، وإلى حــارس ، وإلى جليس لأفراد الأسرة ، ومتصدّر لبعض المجالس ، بل وعضو مهـم من أعضاء جهاز الشرطة . 
       إنَّــه يستــألف الفيــل والحــصــان ، ويستفيــد منهمــا . . . يؤهّــل الأســد والنمــر والأفعى ليستخدمها في مقاصده . 
       يحــرّك البلبل نحــو التغريــد ، ويدعــو الببغــاء إلى النطق ، وأخيــراً فإنــه يرفــع من قيمــة الموجــودات الطبيعيــة في ظل التــربية إلى آلاف بــل ومئات الألــوف والملايين من المرات . 
       إنَّ فنّ أمثالنا هو الذي يجعل الحديــد الثقيل يطير ويحلّق في الســماء عالياً ، يصنع الطائرة ، ويجعلها تجاري الريح والبــرق في الفضاء العالي . . . إنَّ هــذا الفن هو الـذي يصنــع من المــادة البــاهتــة آلات جميــلة وجذّابة للخيــاطة والتــطريز ، بحيث تتعــرف عليها الأصابع البلورية للفاتنات . . . إنَّه هو الــذي يصنع من الأعشــاب البــريــة عــلاجــاً لآلاف الأمراض والآلام ، وأخيراً فإنَّه يوصل جميــع المحــاصيــل الــطبيعيــة إلى الكمــال المطلوب . 
       نخلص من جميــع مــا تقــدَّم إلى أنَّ للإنســان جسمــاً وروحــاً مستعــدّة ، ونفســاً خالدة ، لذلك فهو يحتاج إلى تربية خالدة . إنَّه يجب أن يتربَّى في محضــر وجــه الله الباقي ، وتعمل اليد التي صنعت آدم في تنميته وتنشئته . 
” رسالة الأِنسانية “

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة