محمد فاضل ..
أثناء اكساء شقتي ؛ منذ عقد ونيف من الزمن ؛ احتجت إلى حمالين لنقل سيارة رمل ملقاة في الشارع إلى شقتي في الطابق الأول –
ولم أستطع البتة أن أجد حمالًا واحدًا يحقق لي طلبي في تلك الفترة !
فاتصلت بأحد أصدقائي وكان ذا صلة مباشرة مع العمال أصحاب المهن المعمارية فأسعفني واستجاب لطلبي بصعوبة بالغة ومشقة كبيرة !
وأرسل لي حمالين لينقلا الرمل إلى الشقة ؛ كان الرجلان قد تجاوزا الستين من العمر؛ الأول رجل طويل ضخم مفتول العضلات قوي البنية مفعم الصحة والثاني رجل شديد القصر نحيل الجسم ضعيف البنية مقوس الظهر ؛ عليل الهيئة والمظهر !
قلت لصاحبي وأنا في أشد حالات الغرابة والاستهجان والاستفهام !
هل بمقدور هؤلاء إنجاز هكذا عمل من أصعب وأشق الأعمال ؟!!
قال لي صاحبي نعم وبسرعة تفوق تصوراتك لا تقلق إزاء الأمر !
قلت على مضض وغير قناعة كما تريد وجهزت لهم متطلباتهم ؛ وتركتهم وذهبت وأنا غير مقتنع وغير مطمئن للأمر برمته !
وبعد مضي ساعات قليلة والقلق والشك ياكلني من داخلي ذهبت إلى الشقة ثانية فشكوكي تساورني أن هناك شيئا” ما ؛ فالوضع كله غير مقنع !
وكم تفاجأت عند وصولي إليهما وكانا قد قطعا اكثر من نصف الشوط في عملهما ! وقفت أنظر إلى طريقتهم في إنجاز عملهما فالرجل العليل يفتح أكياس الرمل ويجهزها فقط ولا عمل آخر له سوى ذلك ؛ والرجل القوي يملأ الأكياس ويحملها على كتفه ويصعد بها إلى الشقة !
عمل غير عادل من حيث توزيع المهام والأدوار والجهد غير العادي في هكذا عمل !
عندها وبعد أن أخمدت ماساورني من شكوك حولهما ؛ أحببت أن أكافئهما بشيئ من البوظة و( الكازوز ) فقلت لهما سأجلب لكما مثلجات ومرطبات تعدل مزاجكما وطلبت من العامل القوي أن يذهب معي لأستفهم منه على انفراد ولا أحرجه أمام العامل العليل أو أحرج الآخر ..
وسألته اسئلة كانت تدور بخلدي كان أولها : هل هذا الرجل العليل يعمل أجيرًا مياومًا لديك أي بأجرة يومية ؟!
قال : لا ؛ إنه شريكي مناصفة !! تعجبت من ذلك قلت له : ولكن هذا ليس عدلًا ، فأنت من تقوم بكامل العمل وليس فتح الأكياس وتجهيزها بعمل يشق عليك فلماذا ذلك ؟!
قال لي نعم ، أعلم ذلك وأعرفه جيدًا ولكني مقتنع جدا” أن رزقي كله متعلق بهذا الرجل العليل ؛ وهو شريكي مناصفة من سنوات عديدة خلت ونحن على هذه الحال وسأريحك وأخبرك السر في مشاركتي له !
لقد كنت يومًا بحاجة صانع صغير ولم أجد ؛ وحين جاء إلي هذا العليل يطلب أن يعمل صانعًا معي وافقت على عمله واستحييت من نفسي أن أعطيه أجر ولد صغير آخر النهار خصوصًا أن لديه أسرة يرعاها فاعطيته الثلث من كامل أجرة الحمولة، وبقيت على هذه الحال بضع سنين إلى أن عرفت زوجتي بقصتنا فاستهجنت الامر وعارضت بشدة وطلبت أن اطرده نهائيًا ولا أقبله حتى بأجر صانع صغير !
فامتثلت لأوامرها وطردته عني نهائيا وخلصت منه !
وفي اليوم الثاني ذهبت كالعادة إلى مركز العمال الحمالين لأجد عملا” أقوم به ولكن لم يطلبني احد ورجعت بيتي ولم أعمل في ذلك اليوم وعاودت الكرة في اليوم الذي يليه ولكن دون جدوى وتوقف عملي قرابة ثلاثة اشهر ونيف ! جلست خلالها افكر لماذا لم يطلبني احد للعمل وأنا الرجل القوي الشديد الذي ينجز وحده مايقوم به بضعة رجال ؟!!
فاستخرت ربي بصلاة ركعتين أستخيره بالبحث عن العمل في مدينة أخرى .. وأحسست بعد الاستخارة أن السبب فيىانقطاع رزقي هنا في بلدي كان بطرد هذا الرجل العليل الذي قطعت رزقه بسبب انصياعي لرغبات زوجتي التي قرأت مفهوم الرزق بقراءة القوانين الدنيوية أي واحد زائد واحد يساوي اثنين !
وسرعان ما ذهبت إلى بيت العليل ثانية وأخبرته أن يجهز نفسه للعمل في اليوم التالي – واقسم لك يا استاذ أننا في اليوم التالي عندما ذهبنا إلى مركز الحمالين كنا أول من تم طلبهما للعمل ولم ينقطع عملي يومًا واحدًا بعد ذلك ! فشاركته مناصفة وزادت اجوري ومكسبي ..
وازدادت البركة في جميع شؤون حياتي ومنذ ذلك اليوم وهو شريكي ومصدر رزقي !!

اتقوا الله في ضعفائكم وارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء وليست العبرة في فقير وغني ولا في ضعيف وقوي العبرة أن تكون أعمالنا خالصة لله وأن تملأ الرحمة قلوبنا ويغشاها التسامح .