أفضل ناعي على الحسين عليه السلام

أفضل ناعي على الحسين عليه السلام

حين يخطب خادم الشريعة الغراء فإن الكلمات تنساب من فمه انسيابا… يتحدث عن المواضيع الحكمية وكأنها حكايا… فنشربها كما نشرب الماء…

حقيقة لا أستوعب أني في بحث حكمي أو أخلاقي ولا أشعر بأي ثقل وأنا أستمع إليه ، فالمعلومات تبدو بديهية وسهلة حتى أننا في بعض الأحيان كنا نقول أن المولى لا يعطينا معلومات ، بل فقط يهيئنا لتلقي العلم ، مع العلم أنه كان يقول : ” أبنائي أنا أفتح لكم باب من العلم ، يفتح لكم من كل باب ألف باب ” فكنا نلجأ أحيانا لسماع خطباء أخر ، وعلماء آخرين (وأنا أقول آخرين ولا أريد أن أحدد حقيقة ، فلقد استمعت إلى الكثير ) ولكني عندما أخرج من محاضراتهم كنت أقول :” سلام الله على ميرزا عبد الرسول ” وكنت حينها أعرف قيمة الكلمة التي تخرج من فمه وأني لو جلت العالم فلن أسمعها من غيره ، وما يشدني في حديثه أكثر وأكثر هو أنه في أغلب الأحيان

كان يعرج في حديثه على المولى سيد الشهداء ، وينحدر على ذكره بطريقة سلسلة لا أدري كيف ، ومن يستمع إليه لا يتوقع أن يخرجه على هذا المخرج الذي يجعل شعر بدنك يقف إجلالا لما يظهر لك من المعاني العظيمة

وأتذكر يوما أنه أراد أن يشرح هذه الأبيات :

نارنا هذه تنير لمن … يسري بليل لكنها لا تنيل
منتهى الحظ ما تزود … اللحظ والمدركون ذاك قليل
جاءها من تدري يبغي اقتباسا … وله البذل والمنى والسؤول
فتعالت عن منال وعزت … عن وصول إليه وهو رسول

فكان يحكي لنا حال نبي الله موسى على نبينا وعلى آله وعليه السلام عندما رأى تلك النار ، وأنه كان في سفر من مدين إلى مصر ، وفي الطريق دهمت زوجته آلام المخاض ، وكانت في حال من الجوع والتعب والخوف والظلام ، وفي هذه الحال التي يذهل فيها المرء عن كل شيء ، رأى ذلك النور ، حسبه نارا ، وأحس بانجذاب تام يدفعه نحوه، وما أن وصل حتى نسي كل شيء زوجته ونفسه والتعب و…. ولم يعد يرى سوى النور الإلهي الذي غشاه ، ولم يعد يشعر إلا بلذة المناجاة الربانية

ثم قارن حاله بحال الإمام الحسين عليه السلام ، وتحدث عن علاقته القوية بأخته العقيلة زينب عليها السلام ، وأنها عندما اشتاقت إليه في أيام زواجها الأولى ، خرجت من بيتها تريد لقائه ، وكان هو في نفس الوقت خارجا من البيت مشتاقا ويريد لقائها وتلاقيا في الطريق وتعانقا وجعلا يبكيان شوقا
وبالرغم من هذه العلاقة الروحية التي كانت تجمعهما ، تحدث السيدة زينب عليها السلام وتقول : في يوم عاشوراء وعندما بقي الحسين وحيدا فريدا ، جعلت أبكي وأقبل يديه ورجليه وأتوسل به لكنه نظر إلي وكأنه لا يعرفني إذ كان حينها مشغولا بشوق اللقاء الرباني ، ولا ترى عينه سوى الأنوار الإلهية فهو لا يعرف حتى أخته زينب عليها السلام التي لم يستطع الاستغناء عن رؤيتها أياما قليلة

أما حال زينب عليها السلام وهي العطوف الرؤوم ، أنها قدمت جواد المنية وإلى من ؟ إلى قلبها النابض الذي كانت تعيش لأجله… وهذا هو معنى المعرفة ، والحب الإلهي الذي يملك شعورك فلا ترى سواه وهذا ما عناه الحسين عليه السلام بقوله:

تركت الخلق طرا في هواكا … وأيتمت العيال لكي أراكا
فلو قطعتني بالحب أربا … لما مال الفؤاد إلى سواكا

وجعل يسرد المعاني العظيمة التي لا تدركها إلا حين تسمعها من فمه الطاهر ، ولا أريد أن أصف لكم حال المجلس بعد هذه القراءة الحسينية فقليل القول في وصف المجلس أنه ارتج بالبكاء ، لأنه حقيقة ارتج بالصراخ
وارتج بالمعرفة وارتج بالحب وارتج بالنور الحسيني ولم أحضر في حياتي مجلس مثل هذا المجلس بهاء وجلالا فهناك فرق من أن تسمع عن الحسين عليه السلام وأن تعيش معه

أقول : سيدي يا حبيب الحسين يا جار الحسين لقد أوحشت منابر الحسين

حبيبي غاب عن جسمي وعيني … وعن قلبي حبيبي لا يغيب

تراب المصلح
04-07-2005

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة