التنبيه الرابع: التقية في الإفتاء والقضاء

التنبيه الرابع: التقية في الإفتاء والقضاء

قد تبين مما ذكرنا أن التقية أمر شخصي يواجه بها الإنسان عبر حياته , وأما المسائل الكلية كالإفتاء بغير ما أنزل الله فخارجة عن مصب روايات التقية , خصوصاً إذا كان المفتي مرجعاً دينياً لجماهير الشيعة أو لقسم كبير منهم , فلو أفتى بغير ما أنزل الله تقية فلا يمكنه الرجوع عن ذلك , ويبقى الحكم سائداً بين الناس يعمل به طول الزمان , ولذلك يجب على المفتي الفرار عن الإفتاء بأي وجه كان .

اللهم إلا إذا هدد بالقتل , فعن ذلك لا مناص من الإفتاء بما يريدون ولكن يجب عليه أن يعلم الناس بوسائل مختلفة على أن الحكم صدر عن ضغط وإيعاد .

نعم إذا كان الإفتاء بغير ما أنزل الله سبباً لقتل الأبرياء وهتك النواميس والأعراض أو تراجع الناس عن دينهم أو تزلزلهم فلا يجوز مطلقاً وإن بلغ ما بلغ .

فإن قلت: فقد كان أئمة أهل البيت عليهم السلام يفتون بالتقية في غير مورد من الموارد فما هو المبرر لإفتائهم ؟

قلت: إن إفتاءهم تقية كان لأجل صيانة نفس المستفتي كما هو الحال في قضية علي بن يقطين حيث أمره الإمام عليه السلام بأن يتوضأ بوضوء أهل السنة وذلك حفاظا على نفس المستفتي من القتل وقد صدق الخبر الخبر , حيث امتحنه هارون الرشيد خفاء فرأى أنه يتوضأ على وزان وضوء أهل السنة فاستحسنه وقربه , ولما ارتفع الخوف جاءت الرسالة الثانية عن الإمام الكاظم عليه السلام يأمره بأن يتوضأ على وفق الكتاب والسنة الذي عليه أهل البيت عليهم السلام . أ ايني

ومنه يظهر حال الحكم فإن كان الحكم بغير ما أنزل الله بسبب إهراق دم محترم أو هتك عرض فلا يجوز .

وأما إذا لم يبلغ ذلك فعليه التخلص من الحكم والفرار منه , وإذا ألزم يتحرى الأهم فالأهم .

ومما يدل على أن التقية قضية شخصية لا صلة لها بالقضايا العامة كالإفتاء والقضاء هو أنه لم ير من عالم شيعي عبر القرون الماضية أن يؤلف كتاباً في العقائد أو الفروع الفقهية على غرار فقه أهل السنة وفتاواهم وهذا يعرب عن كونها قضية شخصية لا صلة لها بالقضايا العامة , وإن ابتلى الرجل بالإفتاء والحكم فعليه العمل على النحو الذي ذكرناه .

ومن هنا نقف على جواب سؤال أو اعتراض ربما يتوجه على عقائد الشيعة وفقههم , فسيقولون إن التقية من مبادئ التشيع ولا يصح الاعتماد على كل ما يقولون ويكتبون وينشرون , إذ من المحتمل جداً أن تكون هذه الكتابات دعايات والواقع غيرها , وهذا ما يجتره الكاتب الباكستاني إحسان إلهي ظهير في كتبه التي يتحامل بها على الشيعة وقد عزب عن الكاتب أن التقية مر شخصي ولا صلة له بما يخرج عن حد الشخص وتأليف كتاب عن غرار التقية أمر لم يعرف ولم يوجد ولم يدر في خلد أحد من الشيعة .

والشيعة ليست جمعية سرية حتى تحتاج إلى هذا الأمر وقد انتشرت في أقطار الأرض والبلاد الكثيرة فهل يمكن أن يكون المنشور بألاف النسخ غير ما عندهم من العقائد .

وقد خلط هذا الكاتب بين الشيعة والجمعيات السرية الذين يكتمون عقائدهم وأفكارهم عن غير أتباعهم فإن هذا الأمر يمكن حصوله في جمعية قليلة بعيدة عن الحضارة والثقافة , وأما الشيعة فقد انتشرت كتبهم وثقافتهم منذ رحيل النبي صلى الله عليه واله وسلم في عامة البلاد بصدر رحب وقلب مطمئن .

المصدر: كتاب التقية موضوعاً وحكماً في الكتاب والسنة

الكاتب: اية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading